تونس | أعلنت «الهيئة الوطنية التونسية لاصلاح الاعلام والاتصال» حلّ نفسها وتعليق أعمالها، بسبب ما سمته لجوء الحكومة إلى التضليل والرقابة و«عدم جديتها في معالجة ملفّ الإعلام بما يضمن استقلاليته وتحصينه ضد التجاذب السياسي». جاء الإعلان خلال مؤتمر عُقد أمس في العاصمة التونسية، وحضره أعضاء الهيئة كمال العبيدي، وهشام السنوسي، ومحمد رضا الكافي، والعربي شويخة، وناجي البغوري، وكلثوم كنو، ومجموعة من الشخصيات الحقوقية، منهم عياض بن عاشور رئيس «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة»، و عبد الستار بن موسى رئيس «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، والناشطة الحقوقية والكاتبة نزيهة رجيبة (أم زياد) وغيرهم. ويرأس كمال العبيدي الهيئة، وهو أحد أهم رموز «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» التي اضطر العاملون فيها إلى الهجرة في زمن الرئيس التونسي السابق زين الدين بن علي احتجاجاً على التضييق على الحريات الإعلامية. وقد واجهت الهيئة الكثير من انتقادات الصحافيين، خصوصاً حول تركيبتها... لكنها نجحت في أن تكون مرجعاً خلال المرحلة الانتقالية الأولى (منذ بدء الثورة في 14 كانون الثاني (يناير)، حتى انتخابات المجلس التأسيسي، وقدمت مشروعاً لإصلاح الإعلام يتخذ من الهيئة جهةً وحيدةً تملك السلطة على الإعلام وأحقية التعيين والإقالة ومنح رخص الإصدار والبث. لكن هذا الطموح اصطدم برغبة الحكومة المنبثقة عن انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في الحفاظ على الهيكلة نفسها التي كانت معتمدة في السابق. وقد كانت التعيينات في الإعلام الرسمي (التلفزيون، ووكالة الأنباء الرسمية، والإذاعات، والصحف المملوكة للدولة) موضوعاً لمعركة أولى مع الحكومة التي تمسكت بحقها في التعيين من دون العودة الى الهيئة. وكرّرت الحكومة هذا السيناريو حين عيّنت أخيراً مديرين جدداً لمجموعة من الإذاعات المملوكة للدولة، ما اعتبرته الهيئة سبباً كافياً لحل نفسها وتعليق نشاطها، ما دامت الحكومة غير مستعدة للتعاون معها أو منحها الاعتبار الرمزي والقانوني.

إيقاف«الهيئة الوطنية التونسية لاصلاح الاعلام والاتصال» أعمالها يعدّ فصلاً جديداً من فصول دفاع الصحافيين التونسيين عن استقلالية المهنة التي تواجه تحدياً جدياً. بعد 23 سنة من التكميم والرقابة التي مارسها نظام بن علي، كان الإعلاميون التونسيون يطمحون إلى التأسيس لتقاليد جديدة في العلاقة مع السلطة التنفيذية أساسها الاستقلالية والحياد والشفافية في الدعم المالي العمومي... وهو ما لم تجد له الهيئة صدىً إيجابياً من الحكومة. وقد أشار أعضاء الهيئة في المؤتمر إلى خطورة الحوار الذي أجرته قناة «الزيتونة» الخاصة المملوكة لنجل وزير التعليم العالي منصف بن سالم (أحد مؤسسي «حركة النهضة») مع البغدادي المحمودي (آخر رئيس حكومة في عهد معمر القذافي) الذي دافع عن الحكومة التونسية، ما رآه أعضاء الهيئة مفتقداً للحد الأدنى من شروط المهنية. وفي حديث لـ«الأخبار»، قال عضو الهيئة هشام السنوسي: «إن القرار الذي اتخذته الهيئة يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولاً أنّها (الهيئة) قدمت تقريرها قبل شهرين للحكومة، لكنّ الأخيرة تجاهلت اقتراحات الهيئة للإصلاح. ثانياً، قيام الحكومة بمخالفة المرسوم 115 في منح بطاقة الاحتراف المهني الذي ينص على رئاسة قاض للجنة الإسناد واستقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وهو ما لم تحترمه الحكومة... وثالثاً، مخالفة الحكومة للمرسوم 116 الذي ينصّ على وجود هيئة مستقلة للإشراف على التعيينات في القطاع العمومي ومنح الرخص». إنه تحد جديد تواجهه حكومة الترويكا التونسية مع الإعلام بعد سلسلة مواجهات كان آخرها إقالة مدير القناة الوطنية الأولى الصادق بو عبان على خلفية استضافة المحطة عبير موسى إحدى قيادات التجمع الحاكم سابقاً... فهل سيعود الإعلام التونسي إلى المربع الأول؟