تحت عنوان «النِّسوية العربية رؤية نقدية» (مركز دراسات الوحدة العربية ـــ 2012) تقدم مجموعة من الباحثات 39 دراسة يعالجن فيها قضايا شائكة يتداخل فيها الديني مع السياسي والثقافي مع المجتمعي. الكتاب ثمرة مؤتمر عُقد في «الجامعة الأميركية في بيروت» عام 2009 نظمه «تجمّع الباحثات اللبنانيات» بالتعاون مع «ملتقى المرأة والذاكرة» في القاهرة و«معهد الدراسات النسائية» في جامعة بيرزيت في فلسطين المحتلة. أربعة مفاصل أساسية نهضت عليها الأبحاث: تنوع المقاربات والمفاهيم في الخطاب النِّسوي، دور الحركات النسوية في النزاعات، النسوية الإسلامية والمنهج والإشكاليات، والنسوية في سياق معولم. لا يسعى العمل الجماعي إلى مقاربة هموم المرأة العربية من منظور نسوي/ تقليدي.


هو لا يعمل على إعادة إنتاج المفاهيم التي شكلت في الغالب عماد الهم النسائي، كتفكيك المنظومة البطريركية وخطاب الذكورة وموقع الدين فيها. ورغم أنّ الإشكاليات المطروحة تطرقت بشكل أو بآخر إلى المناحي التقليدية، إلا أن الدراسات عالجت مسائل جديدة، وخصوصاً تلك التي تتعلق بموقع النسويات إبان الحروب والإضاءة على النسويات الإسلاميات كظاهرة فريدة تسعى إلى قراءة النص القرآني من رؤية
أنثوية.
تتفاوت أهمية الأفكار في الكتاب الجماعي. ثمة نزعة نحو التنظير، لكنّ هذا لا ينفي غلبة البعد النقدي/ التفكيكي على الجزء الأكبر منها، تحديداً حين يجري التطرق إلى أوضاع النساء وأدوار الحركة النسوية في مراحل النزاعات. مؤشران يلحظهما القارئ: الأول يتمثّل في عدم تسليط الضوء على أحوال المرأة العربية في الاقتصاد والتنمية، والثاني غياب لغة الأرقام والإحصاءات كمؤشر/ دال يكشف عن تطور حال النساء في العمل السياسي والنشاط الاجتماعي.
تستهل الباحثات الوافدات من مختلف الدول العربية تقريباً وبعض الدول الإسلامية والأفريقية، أعمالهن في مقاربة معوقات الخطاب النِّسوي وإمكاناته، فهناك دعوة إلى تفعيل هذا الخطاب رغم التحديات التي تواجه الأدبيات النسوية على أرض الواقع. لا تهدف الأبحاث المقدمة إلى دراسة أوضاع النساء من زاوية الهاجس التاريخي/ التقليدي، ثمة إضاءات على قدرة المرأة في الإبداع، كمعطى أنثوي خلاق وخصب لا تلحظه عموماً الخلاصات النِّسوية بشكل كثيف. كذلك أثارت النسويات موضوعات أخرى مهمة تتعلق بمناقشة مصطلحات مثل الجندر والنسوية الجندرية وجهاد الجندر والنسوية الإسلامية (الأكثر حداثة) والنسويات الاستعماريات. لا تكتفي الدراسات بالتنقيب عن هذه المفاهيم، بل تجري مقاربات نقدية لدلالات النسوية العربية وقدراتها في ظل واقع بطركي/ ذكوري لم يتصالح بعد مع «أنثاه».
ماذا تريد النساء؟ سؤال اقترضته الباحثة المصرية ميرفت حاتم (إحدى المشاركات في الكتاب الجماعي) من سيغموند فرويد. ورغم أنه يستبطن بعداً رمزياً وسيكولوجياً، لكنه يستتبع طرح الآتي: أين هو موقع المرأة العربية في مراكز القرار؟ أين هو دورها في الاقتصاد؟ وهل بإمكان النساء العاديات التفلت من العنف الذكوري والقهر الذي يمارسه رجال الدين عليها باسم المقدس؟ وإلى أي مدى بإمكان النساء التعبير عن حرية حركة أجسادهن؟ لم نلمس إجابات واضحة عن ذلك، باستثناء ما أشارت إليه الباحثة اللبنانية زينة الزعتري حين عالجت قضية الجسد والجنس في الفكر
النسوي.
الجزء الثاني من الكتاب يضيء على دور الحركات النسوية داخل الدول (فلسطين، لبنان، باكستان، السودان) التي شهدت اضطرابات أمنية وحروباً أهلية. ورغم أهمية النتائج التي توصلت إليها الباحثات في هذا الجانب، تكشف دراسة الباحثة الأفغانية إلهي روستامي بوفي التي تحمل عنوان «مقاومة النساء الأفغانيات ونضالهن في أفغانستان وفي مجتمعات الشتات» عن معطيات مهمة، وخصوصاً عندما تشير إلى مقاومة النساء الأفغانيات في ظل حكم «طالبان». تتحدث مثلاً عن اختراعهن ظاهرة «استئجار المحرَم» عند غياب رجل في الأسرة من أجل متابعة دراستهن أو القيام ببعض الأعمال. ولا يمكن أن نغفل عن دراسة المحللة النفسية اللبنانية أنيسة الأمين مرعي التي أجرت تحليلاً سيكولوجياً لانعكاسات جرثومة الحرب على المرأة، كذات أنثوية لا تساكن العنف الذكوري في الإجمال.
هل هناك نِسوية إسلامية؟ وما هي أهدافها؟ ومن هن رائدات هذا التيار؟ وبماذا يطالبن؟ تجيب كل من التونسية آمال قرامي والمصرية أميمة أبو بكر واللبنانية حُسن عبود عن هذه التساؤلات. مصطلح النسوية الإسلامية بحد ذاته دخل حديثاً أجندة النسويات، وظهرت إرهاصاته الأولى في إيران مع التأسيس للمجلة الإصلاحية «زنان» الصادرة عام 1992، حيث أدت دوراً تأسيسياً في بلورة الإسلام النسوي أو ما يسميه البعض «اللاهوت النسوي». وتُعَدّ أستاذة الدراسات الإسلامية في «جامعة فرجينيا كومنولث» آمنة ودود الأكثر شهرة في هذا المجال لسببين: دعوتها إلى الفصل بين القرآن والحديث، وإمامتها لصلاة مشتركة في نيويورك عام 2005. ومن المعروف أن الاتجاه الفقهي التقليدي لا يُجيز إمامة المرأة للرجال. وكان جمال البنا شقيق مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر قد أصدر كتاباً تحت عنوان «جواز إمامة المرأة الرجل» للرد أولاً على ردود الفعل التي أثارتها ودود، وللتأكيد، ثانياً، أحقية المرأة في الإمامة الصغرى.
يدرس الجزء المخصص للنسوية الإسلامية في المدرسة التأويلية التي خلصت إلى أنّ القرآن لا يقيم تمييزاً أنطولوجياً بين الذكر والأنثى، وأنّ التفسير الذكوري للنص المقدس هو الذي حجب المساواة بين الجنسين، فيما لم تتطرّق دراسات الكتاب إلى النسويات المسلمات اللواتي رفضن مقولات تأويل الإسلام، وإعادة قراءته بهدف إنجاز قراءة معاصرة له، انطلاقاً من أنه لا يمكن عصرنة الإسلام بأي حال. ولمن لا يعرف الكثير عن النسوية الإسلامية الرافضة، فقد نشأت في تسعينيات القرن الماضي مع كتابات البنغلاديشية نسرين تسليمة، وقد عالج فهمي جدعان صاحب «خارج السرب، بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية» هذا التيار عبر رصده للنتائج التي عبرت عنها كل من أيان حرسي علي، وإرشاد منجي، ونجلاء كيليك.
«النسوية العربية رؤية نقدية» يجمع بين صفحاته تحليلاً عميقاً ونقدياً للكثير من القضايا التي تعنى بها النسويات العربيات، بصرف النظر عن التفاوت بين الدراسات. ويدفعنا الكتاب إلى طرح موضوعات طارئة بعد وصول الحركات الإسلامية ومعها السلفية إلى الحكم. ولعل الإشكالية المركزية التي يجب أن تُدرس الآن: ماذا تنتظر النساء من ربيع الإسلاميّين، وخصوصاً في المجال السياسي؟