يستقي الروائيّ المغربيّ مصطفى لغتيري مادّته الروائيّة من جغرافيا الحزن والتهميش، في عمله الأخير «على ضفاف البحيرة» («النايا»، و«محاكاة»، سوريا). يروي لغتيري ما يعترك في داخل المرء الذي يفقد الأمل والرجاء، وما يعترك في قلب المناطق التي تبقى على تخوم الاهتمام الرسميّ، وفي قلب الولع الشعبيّ. يخلق مثلّث السرد محسن، وشمس، وأسماء، ويمنح هؤلاء فرصاً للتعبير عن أنفسهم. يمثّل كلّ واحد منهم زاوية في المثلث، كما يشغل مركزاً هامّاً في سرد الآخر، حيث يكون السارد والمسرود عنه في الوقت نفسه. عبر هذه اللعبة السردية، يلقي لغتيري نظرة ثلاثيّة الأبعاد على الحدث الروائي نفسه. ولن يكسر تبادل السرد بين الأبطال الثلاثة، إلا صاحب المقهى الذي يستلم الحكاية ليروي قصّته وقصّة أجداده في مقارعة الاستعمار، ويفصّل في الظروف المعيشيّة الصعبة التي يعانيها سكّان منطقته النائية التي لا توليها الدولة العناية المطلوبة.


إلى هذه المنطقة بالذات التي يعشقها محسن، ستذهب شخصيّات الرواية في رحلة سياحيّة، بعد إلحاح ابنته شمس، ورضوخ أسماء أمام رغبة زوجها وابنتها. تنطلق الأسرة في الرحلة التي ستشهد حادثاً مأساوياً يشتت شملها: يعود محسن وحيداً وحزيناً، بعد أن يفقد زوجته وابنته.
هكذا، سيُبحر في مستنقعات يأسه وذكرياته. تهيمن عليه المآسي، وتقوده إلى التقوقع على الذات وإهمال أسباب العيش.
ما يؤرقه أنّه كان المتسبّب في الحادثة، وما يزيد من أرقه، أنّه ظلّ حيّاً بعد مقتل زوجته وابنته. على ضوء شعوره بأنّ ابنته تراقبه وتعيش معه، يقرّر ذات صبيحة أنّه سيعود قويّاً كما كان، عساه ينسى الحادثة التي غيّرت مسار حياته. يحاول في مسعى حثيث منه أن يتجاهل وحدته وأساه، ليسترجع تكيّفه مع محيطه، لكنْ رغم كل محاولاته، سيظل رهين الماضي، ليصبح مستقبله استعادة لذلك الماضي، ترتيباً وتبويباً وتأسّفاً ومعايشةً. إذاً، تتقدم الحكاية في اتجاهين متوازيين: رحلة في الطبيعة إلى منطقة البحيرات، ورحلة أخرى إلى الأعماق والذاكرة. الحب هو الرابط بين الرحلتين، وهو النقطة التي تتحكّم في زمام الرواية. ذلك أنّ حبّ محسن للبحيرة والغابة تسرّب إلى ابنته الشاعرة شمس، وفي المقابل، كان حبّ شمس دافعاً للاكتشاف والفضول، ثمّ كان حبّ أسماء لأسرتها الدافع الأبرز لمسايرة جنون زوجها وابنتها، ومرافقتهما. تصل الأسرة إلى البحيرة وتخيّم على ضفّتها، ليكون ذلك مصدر بهجة وولع للأب والابنة، فيما يكون مصدر شقاء وتعاسة للأمّ. وهكذا يكون لكلّ موقف أثران، أحدهما إيجابيّ على طرف، وآخر سلبيّ وأليم على الطرف الآخر، كما تصير البحيرة سبباً للوساوس والتوجّسات للأمّ، وباعثة على الشغف والاستمتاع للأب وابنته. الرحلة إلى البحيرة تمرّ بالكثير من المنعطفات والمنعرجات والتضاريس الخطيرة، يوضح من خلالها الروائيّ حجم الإهمال الذي تتعرّض له تلك المنطقة، والبؤس الذي يسودها، كما يشير إلى الخلافات التي تسِم العلاقة بين السلطة وسكّان تلك المناطق. لا يخفى أنّ الكاتب ينحدر إلى المباشرة في أكثر من فصل، ولا سيّما في تركيزه على الحديث عن نضالات أبناء تلك المنطقة، ومساهماتهم في التحرير وبناء البلد، كأنّه في صدد إلقاء خطاب يقارن فيه بين الماضي والحاضر، وتداعيات ذلك كلّه على
المستقبل.