سيلفي غيلام (1965) «الراقصة النجمة» الأشهر في العالم، غادرت دار الأوبرا الفرنسية في الـ24 من عمرها، لتحطّ في الـ«رويال باليه» في لندن، ومنه دخلت عالم الرقص المعاصر. الليلة، ستقدّم مع الكوريغراف والراقص البريطاني راسل ماليفان عرضهما PUSH ضمن «مهرجانات بيت الدين». في زيارتها الأولى للبنان، خصّتنا غيلام أمس بمقابلة في أحد الفنادق البيروتية حيث تمكث. بعدما كان يُفترض أن تنحصر مدة الحوار بربع ساعة، امتدّت إلى ساعة من دون أن نستطيع الإحاطة بتجربة راقصة عملت مع أهم فناني الكوريغراف في عصرنا من الكلاسيك حتى المعاصر.


كان لا بد من محاولة فهم الخيار الذي دفع بغيلام إلى التخلي عن لقب «الراقصة النجمة» في دار الأوبرا في باريس، ذلك الحلم الذي يراود كل راقصة باليه كلاسيك، ولا يحققه منهن سوى قلة. «لم أحلم يوماً بأن أكون راقصة» تقول.
خلال أحد صفوف الجمباز في دار الاوبرا في باريس، اختيرت غيلام التي كانت تبلغ يومها 12 عاماً لبدء التمرين على الباليه كلاسيك. وفي غضون سنوات، بدأت المشاركة في عروض الأوبرا لتلعب أول دور رئيس عام 1983 في «دون كيشوت» تحت إدارة رودلف نورييف. ذلك الأخير سيختارها لتصبح أصغر راقصة نجمة في دار الاوبرا... كان تبلغ 19 عاماً فقط. تسلّم نورييف لدفّة الأوبرا كان العامل الرئيس في صقل التوجهات الفنية للراقصة الشابة حينها. «في عهد نورييف، لم تعد الاوبرا الباريسية أكبر فرقة رقص كلاسيك فقط، بل أيضاً فضاءً للتجريب». هكذا دعا نورييف بعض الكوريغراف اليافعين في عالم الكلاسيك والمعاصر إلى تقديم العروض في الدار، كما دعا مخرجين مسرحيين مثل بوب ويلسون. مساحة التجريب التي وفرها نورييف لراقصي الأوبرا، دفعت غيلام إلى التفاعل مع مختلف مدارس الرقص، لتكتشف أنّ «الحبّ الحقيقي كان للخشبة». غادرت دار الأوبرا حين قررت أن تنطلق في تجارب خاصة، وتتواصل مع ما يحصل خارج جدران الدار. «رودلف كان يعلم جيداً لماذا أردت الرحيل. كنت أحتاج إلى أن أرى وأتطور خارج ذلك السياق الصلب والمريح، ولكن غير الكافي». وصلت إلى الـ«رويال أوبرا» في لندن عام 1989، حيث رقصت معظم الأدوار الرئيسية الكلاسيكية، واقترحت عليهم لائحة كوريغراف لدعوتهم إلى إنعاش الريبرتوار. «تطلّب منهم عشر سنوات ليدعوا الكوريغراف ويليام فورسايت! إنّها فترة طويلة جداً». لم تنتظر غيلام طيلة تلك السنوات. اختارت أن ترقص الأدوار الكلاسيكية التي أحبت بعضها ورفضت أخرى، فاستحقت لقب «الآنسة لا»، فمن يجرؤ غيرها على رفض رقص دور رئيسي في الـ«رويال باليه»، أو رفض ارتداء أحد الأزياء؟
خلال تلك المرحلة، كانت تتابع عروض الرقص خارج دور الأوبرا بحثاً عن تجارب جديدة. الخطوة الأولى ترجمت في التعاون مع الكوريغراف موريس بيجار الذي كان «أول تواصل فعلي لي مع كوريغراف»، ناقشت معه تفاصيل العرض، وطلبت منه كراقصة أن تتكلم على المسرح، فكان أول نص تلقيه ضمن عرض «الإمبراطورة سيسي». لكن في الساحة الفنية آنذاك، كان يصعب جداً التنقل بين مدارس الرقص المختلفة. حتى مقاربة غيلام لكوريغراف الرقص المعاصر، كان مستغرباً في البدء: «الكوريغراف المعاصرون كانوا يريدون العمل مع ما أمثّل، وليس معي» إلى أن بدأ التعاطي مع راقصة الباليه السابقة يتغيّر، فكان التعاون مع روبير لوباج، وأكرم خان وصولاً إلى راسل ماليفان.
تجربتها الأولى مع راسل كانت في عرض Broken Fall حيث أدت العرض مع راقصين اثنين من دون مشاركة الكوريغراف. ولكن بعض لحظات التمارين التي جمعت بين غيلام راسل ماليفان، شهدت طاقة خاصة بين الجسدين، ما دفعها إلى الطلب منه بإصرار تصميم عرض خاص بهما، فكان PUSH.
هكذا في اللوحة الأخيرة من PUSH الذي نشاهده الليلة في «بيت الدين»، تلتقي غيلام وماليفان في كوريغرافيا تستند إلى تفاعل جسدي الراقصين بين التصاق وانفصال، فاتحةً مجالاً «لخلق مشهد جديد في كل عرض».
لم يكن سهلاً على غيلام اتخاذ قرار التنقل بين أساليب الرقص بإتقان، والأهم بإحساس عالٍ، خصوصاً «في عالم فقد قيمة الامتياز» وغرق في السهولة المبتذلة.
تختصر غيلام رحلتها الفنية المستمرة بين الكلاسيك والمودرن والمعاصر، وحتى تجربتها الصغيرة في إخراج الأفلام، والمنحى المسرحي أخيراً مع لوباج بالحاجة: «أنا أرقص لأنني أشعر بالحاجة إلى ذلك، إنّه إلحاح داخلي».

PUSH لسيلفي غيلام وراسل ماليفان: 9:00 مساء اليوم ـــ بيت الدين، لبنان ــ للاستعلام: 01/999666




الجسد والحيتان

لدى سؤالها عن الجسد وفرديته التي اتخذت معنى آخر بعد الانتفاضات العربية منذ حرق محمد البوعزيزي نفسه، فضّلت سيلفي غيلام عدم الخوض في سياق لا تعرف تفاصيله رغم أنّها متابعة له عن بعد. لكنّها توقّفت هنا عند ظاهرة تؤلمها هي ختان المرأة التي لا تراها مرتبطة بالدين بقدر ارتباطها بالتقاليد الموروثة «التي آن الأوان للتخلّص منها».
خلال المقابلة، كانت غيلام تحمل معها كتاب «القبطان بول وتسون» الذي يحكي فيه مؤلفه عن تجربته كناشط بيئي. قالت لنا إنّها تشارك «القبطان» همّه في حماية الحيوان والطبيعة. «الإنسان يقترف الجرائم كل يوم، ولكن ذلك يبقى من صنيعه. أما الطبيعة والحيوانات فتخضع لجرائم الإنسان من دون أي ذنب. ونحن الذين بحاجة إليها». لذلك اختارت غيلام أن تخصص سنوياً جزءاً من العائدات المالية من عروضها إلى دعم الجمعيات المعنية بحماية الحيوانات، وخصوصاً وقف صيد الحيتان.