الجزائر | عام كامل من الأنشطة الثقافية ستشهده الجزائر في خمسينية الاستقلال. الفعاليات التي انطلقت رسمياً الأربعاء الماضي، خُصّصت لها ميزانية ضخمة، وتشمل مختلف الفنون، كالمسرح والسينما والموسيقى والمعارض، إضافة إلى الندوات الفكرية والتاريخية. ملتقيات عدّة ستقام تباعاً في المحافظات الجزائرية الـ 48، يشرف عليها «المركز الوطني للبحوث الأنثروبولوجية وما قبل التاريخ والإثنوغرافيا». من هذه الملتقيات «الحركة الوطنية والثورة التحريرية»، وملتقى «تاريخ المكتبة الوطنية»، و«50 سنة من الإنتاج العلمي» و«الشفوية والصوتية: 50 سنة من تحرير الكلمة». في «المكتبة الوطنية» في العاصمة.


تحوز السينما الحصة الأكبر من الفعاليات، وخصوصاً أنّ الكثير من مخرجي الأفلام التاريخية عن الجزائر، استفادوا من تمويل رسمي لإنتاج أعمالهم. وقد صدّق البرلمان على تمويل الأفلام التي تحاكي الثورة الجزائرية من الدولة. وبالتنسيق مع وزارة الثقافة، أشرف «المركز الوطني للسينما والسمعي البصري» بالاشتراك مع «الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي» على إنتاج 11 فيلماً طويلاً، بعضها جرى الانتهاء من تصويرها، مثل «زابانا» لسعيد ولد خليفة المرتقب أن يشارك في الدورة المقبلة من «مهرجان البندقية» بعدما أثار جدلاً في «مهرجان كان السينمائي» الأخير. مشاريع أخرى ما زالت في طور الإعداد مثل فيلم «العربي بن مهيدي» الذي يعود معه المخرج الكبير محمد سليم رياض إلى الساحة بعد سنوات طويلة من الغياب. يعدّ بن مهيدي أحد المناضلين الكبار في تاريخ الثورة الجزائرية. وهناك شريط آخر مرتقب هو «البرنوس المشتعل» للمخرج بلقاسم حجاج الذي يرصد سيرة البطلة الأمازيغية لالا فاطمة نسومر، أو «جان دارك الجزائرية» التي قادت حركة مقاومة شرسة ضد الاحتلال الفرنسي.
من الأفلام الأخرى التي تستوحي مواضيع وتيمات مرتبطة بالثورة فيلم «أمود، أسد الجنوب» للمخرج السوري عبد الباري أبو الخير، و«عملية مايو» لعكاشة تويتة، و«البئر» للطفي بوشوشي، إضافة إلى فيلم عن العقيد لطفي (الاسم الثوري للمناضل بن علي بودغن) يستعد لتصويره المخرج التلفزيوني جعفر قاسم في أولى تجاربه الروائية الطويلة، علماً بأنّه صاحب مسلسلات كوميدية عدة من بطولة بيونة أشهرها «ناس ملاح سيتي». إلى جانب الأفلام الروائية، سيكون للوثائقيات نصيب من احتفالات ذكرى الاستقلال. ومن بين أكثر الأعمال المرتقبة تميزاً شريط السينمائي رشيد بوشارب عن «الولاية السابعة» (نسبة إلى تقسيم المحافظات الجزائرية خلال الثورة).
أما على صعيد المعارضة الفنية التي تستعيد تاريخ الثورة، فيستضيف «متحف الفن الحديث والمعاصر» في العاصمة معرضاً للتشكيلي محجوب بن بله (ابن شقيق الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بله) يستمر حتى نهاية عام 2013. وهناك سلسلة من المعارض الفنية الأخرى، منها «معرض حول التراث الثقافي الوطني البحري» الذي يحتضنه «المتحف البحري الوطني»، ومعرض «المقاومة الجزائرية» الذي تحتضنه مدينة سطيف (300 كلم إلى الشرق من العاصمة) ويستمر حتى نهاية العام الحالي. وستشارك دول أجنبية في بعض هذه المعارض، مثل البرتغال التي ستسهم مثلاً في معرض للخرائط القديمة لمنطقة البحر المتوسط في العاصمة، يستمر حتى نهاية السنة الجارية. كذلك ستكون خمسينية الاستقلال مناسبة لاستعادة أعمال عدد من التشكيليين الرواد، أمثال محمد راسم، وأمحمد إسياخم، وعائشة حداد تحت شعار «التشكيليون وثورة التحرير» في «متحف الفنون الجميلة» في العاصمة، ويستمر هو الآخر حتى نهاية السنة.
أما في ما يخص فعاليات عيد الاستقلال الـ 50 على الخشبة، فقد شرع «المسرح الوطني» في إنتاج 16 عملاً جديداً مرتبطاً بالمناسبة، نصفها بات جاهزاً للمشاركة في الدورة المقبلة من «المهرجان الدولي للمسرح المحترف» المقرر في أيلول (سبتمبر) المقبل. أما بقية الأعمال المسرحية، فستتوزع على برنامج يمتد حتى صيف العام المقبل. ومن بين الأعمال المرتقبة، مسرحية «نجمة» المقتبسة عن الرواية الأشهر للأديب الجزائري كاتب ياسين. ولم يُكشف بعد عمّن سيتولى إخراجها، هل سيكون زياني شريف عياد الذي سبق أن اقتبس رائعة كاتب ياسين الروائية مسرحياً، أم هل سيسند العمل إلى مسرحي آخر؟ تستوحي مسرحيات أخرى من سيَر شخصيات وأماكن تُعَدّ رموزاً لبطولات الثورة الجزائرية منها «الشيخ الحداد»، و«عذراء الشرق»، فيما تستلهم أعمال أخرى شهادات إنسانية عن الثورة كـ«زنازين الموت»، و«شوارع الأبطال». كذلك ستحوَّل بعض القصائد إلى عروض مسرحية تتخذ شكل الكولاج الشعري، منها «جمر الكتابة»، «أوراق الشهادة»، «شعراء المقاومة»، «أكاليل النصر»، «صفصاف الحرية».
للموسيقى والغناء حضور بارز أيضاً في الاستقلال. وقد افتتحت فعاليات الاحتفال الرسمية يوم الأربعاء الماضي بعرض «الجزائر... مسيرة شعب» من تصميم الكوريغراف اللبناني عبد الحليم كركلا، فيما أحيا نجم البلوز الأميركي جون لي هوكر حفلة موسيقية قبل أيام. وعلى مدى سنة كاملة، سيشارك 200 فنان جزائري في إحياء حفلات موسيقية بعضها سيقام ضمن المهرجانات المختلفة التي ستخصص دوراتها هذه السنة لخمسينية الاستقلال، ومنها «المهرجان الدولي لموسيقى الديوان» في العاصمة الجزائر، و«المهرجان الوطني لموسيقى الشباب» في أم البواقي، و«المهرجان الوطني للأغنية البدوية والشعر الشعبي»، في تيسمسليت. أما باقي الحفلات فتندرج ضمن جولات فنية ستجوب مختلف المناطق الجزائرية، إضافة إلى الأماكن التي يقيم فيها المغتربون الجزائريون، حيث سيقام على مدى سنة 20 حفلاً فنياً في 16 مدينة فرنسية. إذاً، فعاليات ونشاطات كثيرة ستأخذ مما بقي من هذا العام ومن 2013، منصّة يستعرض عليها الفنانون والمبدعون تاريخ بلد المليون شهيد ورموز نضاله.




ألف كتاب وكتاب

في إطار استعراضها البرنامج الثقافي المرافق لاحتفالية الذكرى الـ 50 لاستقلال الجزائر، أكدت وزيرة الثقافة خليدة تومي أن الفعالية ستشهد صدور 1001 كتاب، سيطبع 1500 نسخة من كل عنوان. وأشارت إلى أن «المكتبة الوطنية» تنوي اقتناء كتب طُبعتْ في الخارج (البلدان العربية، وفرنسا) عن حرب التحرير وفترة ما بعد الاستقلال بهدف «الحفاظ على الذاكرة (الجزائرية) المكتوبة».