«أريد أن أراني كيف أكون وعيناي مغمضتان». عبارة للفيلسوف والروائي والمربّي الألماني جان بول (1763 _ 1825). من أبرز نظريّاته «الروح الجميلة». نقاء الذات، معارضة لأذى العالم، معتبراً هذا النقاء قاعدة لانبعاثٍ روحيّ يبتغي الوصول إلى «الإنسان الجديد». هذه النظريّة، وقد كان لها عظيم الأثر في الرومنتيكيّين وغيرهم، شعراء وموسيقيّين ومفكّرين (كشيلر وغوته ونوفاليس وهاندل وباخ وروسّو وكيركيغارد) تجاورت لديه مع نظريّات ومفاهيم بدت متناقضة، لكن عبقريّة جان بول ما لبثت أن واءمت بينها فالتقت على ضفاف رؤاه روحانيّة شفّافة سخيّة، ومشهدُ كونٍ بلا غاية ولا معنى، فريسة للخواء والفوضى، إنّما بلا تيئيس، بل بسخريةٍ ناعمة وأرستقراطيّة متعالية على المنغّصات.


يتحدّث جان بول عن أحلامه «الاختياريّة»، أو الإراديّة، وبينها منامات الطيران. يقول غاستون باشلار في كتابه «الهواء والأحلام _ دراسة حول مخيّلة الحركة»، إنّ جان بول، «عَبْر تمرّسه في إنتاج أحلامه وتوجيهها، يقرّر الحلم بالطيران وهو يستأنف الرقاد عند الصباح. إذاً، هي ليست منامات الليل الكامل». ويقول جان بول في كلامه على أحلامه: «هذا الطيران، وهو بين محوِّمٍ ومنطلق إلى أعلى، والذراعان تُخبّطان الريح كما تخبّط المجاذيف الموج، هذا الطيران هو للدماغ حمّامُ أثيرٍ حقيقيّ، لذيذ ومريح _ لولا أن الدَوَران الفائق السرعة لساعديّ الحلميّين يصيبني بالدوخة ويجعلني أتوجّس من احتقانٍ في الدماغ. لقد اتّفق لي فعلاً، وأنا مغمورٌ بالسعادة والغبطة جسداً وروحاً، أن أرتفع رأساً في السماء المنجّمة، مُرسلاً بأغنياتي التحيّة إلى صَرْح الكون».
كان جان بول يمضي بتحليقه طويلاً بحثاً عن «وجوه بَهيّة» ليقبّلها، وغالباً ما عَبَثاً يبحث، وحين يجد، يقول للوجوه المطلّة: «ها أنذا سأستيقظ، فتضمحلّين».

■ ■ ■


سأستيقظ فتضمحلّين.
لا يدوم وجه الرؤيا على أرضِ الأرض.
البهيّ طيّ المنام، بل طيّ المنامَين.
وليس معطىً للجميع طيرانُ فضاء الجفون. إنّنا تحت رحمة طَبَقيّةِ الأطباع. محظيّو الطيران هم الأرواح الشفّافة التي تضيق بأجسامها، وتضيق بحدود الكوكب، مصنوعة من أثيرٍ ونور ومن لحمٍ معذّب، تتخفّى ملائكيّتها اتّقاءً للشرّ، اليوم في رداء الرصانة وغداً في الحرمان. أهل الأجنحةِ هم الشعراء الحقيقيّون ولو كانوا رهباناً وراهبات وعمّال بناء وفلّاحين وبناتٍ اخترنَ العنوسة كما يختار ربّان المركب إنقاذ الركّاب والغرق وحده مع سفينته، محقّقاً حلم التملّك المطلق والفداء المطلق والانملاك المطلق.

■ ■ ■


في ديوانه «على بساط الريح» يصف فوزي معلوف (1899 _ 1930) انطباعاته بعد السفر بالطائرة، وقد بدت له هذه دخيلة على السماء و«بصورةِ شيطانٍ يبثّ اللهيبَ بركانُ صدره». جعل ديوانه نشيداً للروح، وتحليقه حلماً بالطيران الطبيعي والمثالي، على غرار النسور والغيوم والنجوم والأرواح، وأصبح لسان حاله:
«ضارباً في الفضاء موكبُهُ النور
ومن حوله عرائسُ حلمه
ملكه ركنه الهواءُ وما أقواه
ركناً قام الخلود بدعمه!
عرشه سدّة السحاب، عليها
نَفَضَ الليل كلّ رهبة رسمه
تاجُهُ هالة ينضد في فضّتها
الأفق بدره قرب نجمه
والدجى طيلسانه، فاح كافور
دراريه فوق عنبر فحمه
والثريّا في كفّهِ صولجانٌ
درُّهُ لَمَّهُ الصباح بكمّه!
ملكٌ طائرٌ بغير جناحين
بأمرِ الخيالِ يقضي وباسمِه
(...) ليت شعري! ما الشاعرُ ابنٌ لهذي
الأرض إلّا بلحمه وبعظمه!
فإذا اختار هَجْرها برضاه
أفما جاءها مقوداً برغمه؟».
ويخاطب الطيور مطمئناً إيّاها:
«لا تخافي يا طير، ما أنا إلّا
شاعرٌ تطرب الطيور لشعرهْ
زاركِ اليوم متعباً ينشد الراحةَ
في هدأةِ السكونِ وسحرهْ
فرّ عن أرضهِ فراركِ عنها
مِن أذى أهلها وتنكيل دهره!».
يقول المستشرق الألماني فرنسيسكو فيلا سباسا في مقدمة الديوان التي وضعها في ريو دي جانيرو عام 1930: «وهنا تتبدّد مخاوف الطير وتلتقيه كالأخ بل الابن الشاطر الذي رجع نادماً إلى مكانه الأزرق في سماء أبيه».
لم يكمل فوزي معلوف ثلاثينه.
مسكينةٌ هذه الأرض كم نُعنّفها! ومع هذا يظلّ الطيران فوقها حلماً، فوقها لا خارجها، كأنّها تختصر الكون، ولا سماء خارج سمائها...

■ ■ ■


مساء الجمعة كانت سهرة طيران فوق مسرح بيت الدين. يتحوّل الراقصون والراقصات مع إليسار كركلّا إلى فراشاتٍ ونسور وبجع وازهار وصوفيّين. طوّعت أجسادهم وتلاعبوا كسيوفٍ وهمساتٍ ونيازك. في فصل «ألف ليلة وليلة» حكى الرقص أكثر ممّا أخبرَتْ موسيقى ريمسكي كورساكوف، على روعتها. في «بوليرو» رافيل أوهمتنا إليسار ذات دقائق أنّ الوقت يتخافت، يتناوص، وأنّنا سنتثاءب. فجأةً بدأ تصاعد الحركةِ درجة درجة فوق بركانِ التجلّي.
هذا أوّل عملٍ يخرجه إيفان كركلّا وحده. عبد الحليم ما زال في الجزائر يجول باستعراضه في المدن. خلق إيفان وحدة من هيولى، تناسقاً من تنافر. أن يجمع فنّان بين الروح الروسيّة والروح الفرنسيّة والروح الهنديّة _ الفارسيّة _ العربيّة والفولكلور اللبناني في حزمةٍ من ثلاث وحدات انفصاليّة، براعةٌ انتحاريّة اجتازها إيفان بسلام. وكم كانت ممتعة لحظة الفولكلور. لكلّ شعبٍ ذاكرة لا يحرّكه مثلها، تحريك الأحشاء، تحريك ما لا سيطرةَ عليه. هذه الذاكرة ملجأُه ومنطلقه. ما إن أطلّت هدى وإيلي شويري وصحبهما في المشهد الأخير حتّى تماوج الجمهور ووقف يصفّق ويهزج ويردّد مع المطربين.
لم تنفع محاولات القفز فوق الذاكرة. ولماذا تنفع؟ وفيمَ القفز؟ وهل قَفَزَ الكلاسيكيّون فوق الرابسوديات المجريّة؟ وهل أداروا ظهرهم لأصداء الحكايات والقداديس ورقصات القرى؟ أروع ما يكون الفنّ عندما يُخيّل إلينا أنّ ما نسمعه ونراه سمعناه ورأيناه في «حالةٍ» سابقة.
تحيّة لإيفان كركلّا على «كان يا ما كان». على جمعه الفولكلور اللبناني بنُخَبٍ من الموسيقى الكلاسيكيّة. على مقدرته في الضبط والترويض. وتحيّة لإليسار وسائر الفرقة والمايسترو هاروت فازليان، على ليلةٍ طارت بنا.

■ ■ ■


قالت له:
«أعتذرُ عن حبّي لكَ
عن خوفي عليك
أعتذر عن شوقي لعينيك
عن نظراتي ولمساتي
وإيحاءاتي
أعتذر عن كتاباتي وغنائي ودمعتي وبسمتي
أعتذر عن شهوتي ونشوتي
أعتذر عن وجودي...».
كم مرّة يقتلع المرء نفسه من حالاته! كم مرّة تتناثر الغرسة التي فيه هباءً في الريح!
ويعود فيتجذّر!
ويعود فينغرس!...
يا للعاصفةِ الصفراء التي تقتلعه... ويا للعاصفة البيضاء التي تعيده.
«أعتذرُ عن...».
«أريدُ أن...».
حالةُ الرسوّ، الركون، هي الشذوذ. حالةُ التنقّل والهجرة هي القاعدة.
نحن قلوبٌ على كفّ الهوى.
«قليلاً بعد، لحظة راحةٍ فوق الريح، وتلدني امرأةٌ أخرى»، يقول جبران في نهاية «النبي».
منتهى اللطف ومنتهى الإيمان أن نودِّعَ لحظةَ نَستقبل، وأن نودَّعَ لحظةَ نُسْتَقْبَل.
«أعتذرُ عن حبّي لك» ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

■ ■ ■


الذكرياتُ ضريحُ أجنحتك. دخانٌ لا يخرج من النوافذ، بل يحفر في العظم.
يجب أن يصير الألزايمر اختياريّاً، كحبوبٍ تُشرى من السوبرماركت.

■ ■ ■


عندما نحلم أنّنا نطير نصدّق أنّنا أفضل ممّا نظنّ. هي سماؤنا الداخليّة تبسط أجنحتها. ولنا كثيرون يساعدوننا في هذه المهمّة حين نتقاعس: الآلهة، الملائكة، القدّيسون، ولكن أيضاً الشعراء والملحّنون والمصوّرون. الراقصون، وهم يطيرون أمامنا، يكسفوننا عندما يعودون وينزلون. يتركون بنا غصّة أنْ ليتهم أطالوا التحليق. طيرانُ الراقصِ دعوة لا إلى الرقص بل إلى الانطلاق والاختفاء في أحضان الكون،
حيث البراءة هواء والإغواء هواء.
التحليق، في المنام أو أمام الشاشة، بعضٌ من دم الآلهةِ تركوه فينا يوم رحلوا.

■ ■ ■


في أحد أفلام الثأر تقول الممثّلة للبطل: «لا تدع الذكريات تقتلك»، فيجيبها: «لن تقتلني»، عانياً أنه، بدافع تلك الذكريات، سوف يقتل أعداءه. وفي الواقع يقتلهم ولكن بعد أن يكون قد استحال وحشاً أسوأ من أعدائه.
الذكريات حرباء، ملساء كالأفعى، موحلةٌ مستنقعة، بدل أن تطير بك تُغوّصك تحت القاع. ليس الشعب العديم الذكريات هو السعيد بل أيضاً الشخص العديم الذكريات.
الموت ثأرُ الزمنِ من الحياة، الذكرياتُ ثأرُ الحياةِ من نفسها.