لعلّ أفضل وسيلة لتأريخ الحرب الأهلية، وتأثيرها في النفوس هي الغوص في تجارب الذين عايشوها كشهود، وعانوا أهوالها من دون أن يكونوا لاعبين فيها. تجارب هؤلاء تتحرّر من لعبة تزوير حقائق يمارسها المشاركون الحقيقيون ليبرروا حرباً زعموا أنّها فُرضت عليهم، فنصّبوا أنفسهم أبطال «ذلك الزمن». هؤلاء الشهود/ الضحايا يكفيهم فعل التذكّر ليشاركوا في تدوين الذاكرة الجماعية بلا توظيف سياسي أو طائفي. من هذا المبدأ، يبدو فيلم «يامو» للمخرج لرامي نيحاوي (٧٠ دقيقة ــ «الأخبار» 5/6/2012) مشروعاً عملياً لتدوين ذاكرة الحرب وتداعياتها ومحاولة فردية لكتابة جزء فردي جداً من التاريخ، لكنّه ينفع ليكون عينةً من تاريخ جماعي أكبر.


لم يكن رامي يحتاج الى سرد المعارك والملاحم. لم يضطر إلى مقابلة مقاتلين تائبين، أو زعماء ميليشيات كي يركّب ذاكرة الحرب. أراد أن يخرج من الإسقاط الى التحقيق، ووجهته الوحيدة والدته نوال. في عمله الذي شاهدناه ضمن «دفاتر يومية: شهر السينما اللبنانية»، ونزل أخيراً إلى الصالات، فعل توثيق شخصي لا يمكن أن يسائله عليه أحد. لا يمكن أن يلومه أي يساري «غيّور» على انتقاده لليسار وتحولاته لأنّه ببساطة يروي قصة والديه. ولا يمكن لطائفي أن يطالبه بالانتقاد المتوازن على شاكلة ٦ و٦ مكرر، ولا أن يتهمه بالانحياز في انتقاد المحيط الطائفي الذي عاش فيه، لأنّه ببساطة يتحدث عن محيطه الحقيقي. لا ممثلون، ولا شخصيات مركبة، ولا إنتاج ضخم. إنّه شريط وثائقي ذاتي بأقل كلفة ممكنة، إن كانت كلفة انتاج أو كلفة انتقاد. إنّها نوال، السيدة الشيوعية التي تمرّدت على أهلها ومحيطها لتتزوج برجل مسلم سوري ينتمي الى «حزب البعث». أغرتها علمانيته، ورفضه للتطيف، حتى إنّهما تزوجا زواجاً كنسياً من دون أن يرف له جفن، قبل أن تتبدل الأيام التي عصفت بالكثير من اليساريين. عادت إليه الغريزة الأولية فانفصل عنها وهجرها بعدما «اكتشف» أنّها مسيحية، وأنّ زواجها به باطل بعدما أنجب منها ثلاثة أولاد (رامي المخرج، ريام وريما).
من هنا، يبدأ نيحاوي بانتقاد اليسار. اليسار بمعناه الواسع الذي مثّلته «الحركة الوطنية»، وضمّ في صفوفه تيارات وأحزاباً أثبتت لاحقاً طائفيتها وانعزالتيها، ولم تكن سوى نموذج آخر لـ «الجبهة اللبنانية». ومن هنا، ينطلق الشريط لتقديم رؤية نقدية للمحيط الذي تعيش فيه نوال وأولادها بعد الحرب الأهلية، حين تحولت المقاومة الوطنية الى أخرى دينية، رغم أنّ نوال لا تخفي تعاطفها مع المقاومة وتأييدها لها ولخياراتها، وخصوصاً في الحرب. تقول إنّها لا تستطيع أن تتخذ موقفاً محايداً حين يتعلّق الأمر بحرب بين «حزب الله» واسرائيل، كما أنّها لا يمكنها أن تقف في الوسط بين الطائفيين والعلمانيين. ما يظهر أنّ تلك «المسيحية» التي لفظها أهلها ورفضوا أن تدفن بينهم، لا تزال متمسكة بمبادئ ضربها «أهل القضية» ــ كما يدعون ـ بعرض الحائط. الفيلم الذي جاء ثمرة إنتاج مشترك بين نيحاوي نفسه و«جمعية أمم للتوثيق والأبحاث»، يختلف عن غيره من الأعمال التي توثّق للذاكرة وتدعمها «أمم» أيضاً. على عكس فيلم «شو صار» لديغول عيد الذي أراد توثيق مقتل عائلته الكتائبية على يد عائلة قومية، وبحثه عن حقيقة ما حدث ومحاولته إقامة محكمة سينمائية لمن أفلت من العقاب الجزائي، لا يحمل «يامو» قضية كبرى، ولا يدعي البحث في غير الذاكرة الشخصية جداً رغم امتدادها الى الوطن برمته.
لم يقل نيحاوي إنّه يريد كتابة تاريخ وطن، لم يشأ أن يقوم بما قام به آخرون في معالجة المشكلة من رأس الهرم، كما فعل هادي زكاك مثلاً في «حرب السلام». لقد قارب نيحاوي المشكلة بالوقائع اليومية. أراد فقط أن يفهم التغيرات التي طرأت على حياته في فعل عفوي يشكّل زاوية إضافية في مشروع كتابة ذاكرة وطن. ومن هنا، يظهر أسلوبه الإخراجي العفوي. عفوي الى حد الاستهتار أحياناً. يحمل الشريط الكثير من الفوضى، فوضى في تقطيع المشاهد، ومحتوياتها، مع مشهد متكرر له ولأخيه في منزلهما الفوضوي جداً. بذلك نجح في نقل فوضى الأفكار الى المشاهد. تنتقل الفوضى الى التصوير أيضاً، حيث يقدم مشاهد بالأبيض والأسود وأخرى بالألوان. غير أنّ لقطاته وكادرات كاميراته تأخذ بعداً جمالياً يكسر رتابة النص الذي يتلوه رامي (voice over) وهو أقرب الى النثر، لكنّه يميل الى لعب دور الواعظ بطريقة مباشرة.
مع ذلك، أدرك «يامو» قصده، واستطاع أن يشكّل حلقة إضافية في سلسلة كتابة الذاكرة المفقودة. تلك التي لا تكتمل من دون أفلام مماثلة، من دون شهادات مصوّرة ومحاولات تسجّل تاريخاً على ورق الشهادات الخاصة والتجارب الشخصية التي تشكل محاكمة بلا محكمة.






«يامو» لرامي نيحاوي ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ــ للاستعلام: 01/204080