«إنكم تستغربون صراحتي. الموتى لا يكذبون. أنتم تعرفون ذلك... نحن لسنا بشراً، نحن مجرد جثث، مجرد أموات». هكذا يعلن الكاتب والشاعر برهان شاوي (1955) فانتازيا الواقع العراقي ومرارته في روايته «مشرحة بغداد» (الدار العربية للعلوم ناشرون). «واقع» لا ينتمي إلى الواقع، فكل ما يدور في فلكه يقترب من الخيال، ويصعب تصديقه. صحيح أنّ الرواية تتناول كثيراً من حقائق الواقع العراقي، وبالتفصيل أحياناً، لكنها حقائق تبوح بها أفواه الضحايا. كلّ شخوص الرواية من الأموات، حيث مشرحة الموتى تمثّل مسرح الرواية وحاضنة أحداثها. هناك، حيث الموت حقيقة، يدخلنا برهان شاوي إلى فانتازيا الواقع، لنجد العديد من الجثث وقد صارت تتكلم وتتصارع وتتمرد وتخرج إلى الشارع معلنة تمردها.


صاحب «متاهة آدم» يخبرنا أن الصراع العراقي تجاوز حتى الموتى، ليصل إلى أسِرّة المشرحة التي تتصارع هي الأخرى، متبنية أفكار وانتماء الجثة التي ترقد عليها... فأي كارثة تعيشها البلاد إذاً؟ قد يجد القارئ في الرواية سيناريو لفيلم رعب، وقد يكون محقاً في ذلك؛ فـ«مشرحة بغداد» تروي قصة الرعب العراقي بدمائه التي لا تزال تنهمر منذ عقود وحتى بعد سقوط الديكتاتور، بل إن كمية الدم زادت بعد ذلك أكثر!
بطل الرواية، الحارس آدم الذي يصوره لنا المؤلف «كورقة مهملة سقطت من شجرة مجهولة، بلا جذور»، شاب في بداية العشرينيات من عمره، شغوف بالقراءة والأفلام السينمائية، لكنه «ومن كثرة رؤيته للجثث ولعمليات التشريح، صار إذا رأى شخصاً، فإنه يراه بعين خياله، عارياً على السرير النقال، أو على مصطبة التشريح». بهذه النظرة، لا يختلف آدم كثيراً عن بقية أبناء جلدته، فكل إنسان هنا، هو في الحقيقة مشروع مؤجل لجثة ملقاة على الطريق أو فوق مزبلة!
في الرواية، تختلط أسئلة الحيرة بأسئلة الإدراك، لتعكس إرباك الواقع الذي تناقشه. الشخصيات تتكلم وتأكل وتنام وتمارس أعمالها، إلا أنها لا تعرف إن كانت تنتمي إلى الحياة المعيشة أو إلى عالم الأموات. هكذا، يبدو شاوي وكأنه يصوّر لنا حالة المتاهة التي يعيشها الإنسان العراقي. لعلنا نتلمس ذلك من خلال اضطرابات الحارس آدم الذي «تداخلت عنده حدود المعقول باللامعقول، والخيال بالواقع، لكنه لا يعرف الآن بالضبط ما يجري، هل ما يراه ويسمعه هو واقع أم رؤى روحية ونفسية هي من نتاج عقله المتوتر وصراعاته الداخلية؟». وجود آدم المستمر بين الجثث، لم يكن إلا بداية اضطرابه، ليتصاعد بعد ذلك ويصل إلى حد الاختلاط المفزع بين الخيال واللامعقول من جهة، والواقع الذي تجاوز بوحشيته حدود الأسطورة من جهة أخرى. سنعرف كل هذا من اعترافات الجثث، لنكتشف في ما بعد أن الرواية تحكي قصص وظروف موت خمس جثث لخمس نساء ذوات أعمار وبيئات متباينة، لكن ما يجمعها هو أن القاتل في جميع الأحوال «سلطة الإرهاب»، أو إرهاب السلطة التي لا ترى في الإنسان العراقي سوى جثة تمارس الحياة. الدخول إلى عالم الجثث يبقى دخولاً افتراضياً، لكن ما من جسد بشري تحول إلى جثة هامدة، إلا خلَّف وراءه قصة موته. لذا، سنقع في الرواية على العديد من القصص التي تفضي أغلبها إلى إدانة النظام السياسي العراقي، حيث نتلمس محاولات المؤلف لفضح سلطات العراق الجديد وإدانتها، من خلال إدانة الجثث لرجالات السياسة العراقية والكشف عن القتلة، «فالموتى لا يكذبون».
الموتى الذين يؤكدون أنَّ «حزب البعث» ما زال يحكم العراق، يؤكدون أيضاً أنّ المسؤول الذي كان يقضي لياليه في اغتصاب السجينات السياسيات في زمن الديكتاتور، بات اليوم رجل الأمن وحامي العدالة العراقية! الرواية التي تصور يوميات الطابق السفلي في مستشفى كبير في وسط بغداد، تكشف لنا عن ممارسات سلطوية مريعة، كالقتل والاغتصاب، وإعدام الأبرياء، والاتجار بالجثث والأعضاء البشرية، وغيرها الكثير.
برهان شاوي، الشاعر والكاتب الذي عاد من منفاه إلى العراق بعد سقوط الديكتاتور، يحاول من خلال «مشرحة بغداد» الكشف عن رؤيته السوداوية التي تفضي إلى أنّ «العتمة هي التي تلوِّن الحياة والموت في بغداد». العاصمة العراقية، إذاً، ليست أكثر من مدينة أشباح وموتى، وهذا ما سنتأكد منه حين نعرف أن الحارس آدم ما هو إلا جثة أزهقت روح صاحبها منذ زمن.