كتب مصورة ثمينة عديدة، أو ربما كثيرة، صدرت عن فلسطين وأهلها منها (ولعله آخرها) مؤلَّف عصام نصار «لقطات مغايرة: 1850 ـــ 1948 ــــ التصوير المحلي المبكر في فلسطين» (2005 ــ مؤسسة عبد المحسن قطان). كما صدرت أعمال أخرى تحوي رسوم فنانين أوروبيين عن مختلف تضاريس فلسطين «التوراتية» وبعض أهلها، من منظور استشراقي.


لكن لكتاب «الفلسطينيون: صور لأرض وأهلها من 1839 حتى اليوم» الذي صدر بالفرنسية (دار هازان) عام 2011، قبل أن تصدر نسخته الانكليزية منذ فترة، يرتدي قيمة مضافة، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية ما صدر حتى الآن. تلك القيمة هي ما دفعنا إلى اختياره للعرض منفرداً في ذكرى وعد بلفور (2 نوفمبر) الذي صدر عام 1917، يوم دخول قوات الغزو البريطانية أول مدينة في فلسطين، أي رفح. صدور وعد بلفور، أو لنسمه باسمه الصحيح «إعلان بلفور»، وإعلان تبني الغرب رسمياً مشروع استبدال دولة يهودية بالوطن الفلسطيني، الخطوة المادية الأولى لتطبيق أهداف «المسيحية الصهيونية» ومزاعمها.

صاحب هذا العمل، إلياس صنبر، كاتب ومؤرخ فلسطيني يرأس تحرير مجلة «دراسات فلسطينية» التي تصدر في باريس بالفرنسية، وشغل منصب ممثل سلطة مبنى المقاطعة في رام الله إلى منظمة اليونيسكو.
الكتاب من الحجم الكبير ومطبوع على ورق فاخر يناسب مادته وطبيعة الصور التي يأتي القسم الأكبر منها بالأبيض والأسود.
هذا المؤلف الذي يحوي مئات الصور التي لم تنشر من قبل، يتميز بمقدمة ثمينة بقلم الكاتب استعرض فيها محتوى المؤلف عبر البيئة التي نشأ فيها تصوير فلسطين، لكن من دون أهلها. تتعامل المقدمة بالشرح الوافي مع بدايات تصوير فلسطين الذي انطلق مع ولادة ذلك الفن الضوئي في عام 1839، وموقع تلك البلاد في عيون المصورين الأوروبيين وعدسات آلاتهم الجديدة، مما جعلها هي وبضع بلاد قليلة أخرى الأكثر تصويراً في التاريخ.


عام 1850 شهد انطلاق
مغامرين وباحثين عن الآثار ولصوص وقراصنة وجواسيس إلى فلسطين

يستعرض إلياس صنبر أولاً تاريخ التصوير في فلسطين وأسماء المصورين والمؤسسات التي انتموا إليها أو تلك التي أرسلتهم، ويشرح الصور، خصوصاً الأولى، ويبين للناظر ما قد لا تراه عيناه. على سبيل المثال، يلفت إلى كثرة تشابه الصور التي التقطتها عدسات مختلف المصورين؛ تشابه يصل أحياناً إلى درجة التطابق في منظور الرائي.
كلنا يعرف أنّ فلسطين لم تكن بلاداً وشعباً في منظور الأوروبيين، أو لنقل في منظور الاستعمار. فلسطين هي «الأرض المقدسة»، «أرض الكتاب المقدس» لكنها ليست أرض الفلسطينيين. ولذا كان طبيعياً أن تختزل عيون المصور المنظر، سواء بإرادته أو تلبية لرغبة مرسليه، وتسلبه الحاضر لتعود بالناظر أكثر من 20 قرناً إلى الماضي، أو الأصح القول: الالتفاف على التاريخ ومسحه ليبدأ بأحداث كتاب اليهودية والمسيحية المقدس، مروراً بالعهدين الإغريقي والروماني، ليقفز من بعدها إلى العصر الصليبي، ومن ثم يعود مجدداً إلى الماضي السحيق في حاضر عدسات المصورين.
يشرح صنبر سبب تسلسل الصور التي اختارها، مؤكداً أنه نظمها ليظهر العلاقة في ما بينها، مما دفعه بالتالي إلى الحديث ــ ببعض التفصيل ــ عن تطور تقنية التصوير منذ اختراعه في عام 1839 وشرح التقنيات التي كانت مستعملة في ذلك الحين ومكامن قوة وضعف كل واحدة.
علماً أنّها اقتصرت على نهجين أو نوعين: الأول يحمل اسم مبتدعه الفرنسي لوي داغير اعتماداً على اختراع نيسيفور نيبس العائد إلى عام 1824. أما الثاني فيحمل اسم مبدعه البريطاني وليام فوكس تالبُت. هذا الجانب مهم لأنه يساعد المشاهد على استيعاب كون صورة ما التقطت على هذا أو ذاك النحو.
بعد ذلك، يعرّج صنبر على أسماء مختلف المصورين الأوروبيين الذين قدموا إليها بهدف توثيق تلك البلاد [المقدسة] مرة أخرى! لكن ليس أهلها وأصحابها الذين يعيشون فيها منذ الأزل. قسم إلياس صنبر كتابه إلى ستة أجزاء، تلي المقدمة، هي: «إعادة اكتشاف فلسطين»، «حجاج وسيّاح وجامعو الآثار»، «بين المسدس والمبشرون الوعاظ - البلاد المفعمة بالحياة»، «الإغراق وإنقاذ البلاد من الغرق في البحر»، و«الانتفاضات».
صاحب هذا المؤلف يلفت انتباه القارئ إلى أن المصورين الأوائل، بل حتى من لحق بهم، أتوا إلى فلسطين «العثمانية» انطلاقاً من اهتماماتهم الدينية.
زياراتهم لم تكن لتأريخ الحاضر، الفردوس الذي يدعون لأنفسهم حق امتلاكه، بل لتغييبه ولتأكيد التاريخ ــ وفق فهمهم ــ تاريخ الأرض المقدسة التي «استعادوها» في الحروب الصليبية، ثم فقدوها. لذا، فإنّهم ألقوا بالفلسطينيين خارج المكان وخارج الزمن، كما عبّر تميم البرغوثي ببلاغة وفصاحة نادرتين في قصيدته «في القدس»: «سياح من الإفرنج شقرٌ، لا يرون القدس إطلاقاً، تراهم يأخذون لبعضهم صوراً، مع امرأة تبيع الفجل في الساحات طول اليوم».
زبائن أولئك المصورين الأوائل لم يكونوا من أهل البلاد وأصحابها، بل دور نشر مؤلفات التاريخ الخلاصي، ومكاتب سياحية تود جذب المقتدرين من الأوروبيين. لذا، يرى المرء صور تضاريس ومواقع، خالية من السكان، وإن حضروا، فصدفة، لكن بثياب بالية، رثة، بما يحجب عنهم، من منظور المصور وبالتالي الناظر، أي أهلية لسكن تلك البلاد، فضلاً على امتلاكها.

يرى المرء أن تلك الصور ركزت على آثار مواقع بلدات وتلال وهضاب يرون أنها مذكورة في «الكتاب المقدس». هذا من منظور تجاري. لكن في الوقت نفسه، كان ثمة صراع في أوروبا بين تاريخ البشرية الخلاصي وبين الحداثة العلمية التي ركزت على نظرية داروين بخصوص النشوء والارتقاء. المصورون ــ ومن أرسلهم من إرساليات ــ عثروا في فلسطين، أو لعلهم توهموا أنهم وجدوا ضالتهم التي تثبت صحة عقيدتهم وتاريخهم المختلق خلاصياً. يبين إلياس صنبر صحة هذا الأمر عبر ذكر عناوين بعض الكتب المصوّرة التي صدرت في تلك الفترة عن فلسطين وآثارها المقدسة.
هذا الأمر مهم عند النظر في الصور الأولى، فهي لا تحوي إلا ما أراد المصور رؤيته وليس ما هو فيها فعلاً. لذا وقع اختيار الكاتب على الصور التي تحوي ما رآه المصوّر! ففلسطين قد تم تعريفها مقدماً على نحو حاسم: هي أرض محددة، وليست وطن مثل كل الأوطان، ومحتواها محدد مسبقًا؛ إنها أرض الميعاد التي تفيض لبناً وعسلاً، التي وعد بها إله الكتاب المقدس أتباعه.

يشدد صنبر على أنه اختار قصدياً الصور التي تعكس حياة الفلسطينيين كونهم شعباً داخل المكان والزمان. لذا، فإن الكتاب يحوي صور عائلات وأفراد وأطفال ولاعبي كرة قدم وفرق موسيقية وطنية وأسواق وما إلى ذلك من مختلف أشكال النشاطات الاجتماعية من اقتصاد وفن وغيرهما. يلاحظ المرء في هذه الصور حياة وصخباً أحياناً، وهو ما غاب عن صور معظم الصور «الاستشراقية» وهذا التعبير من كاتب هذه السطور وليس من صاحب المؤلف.
يعرّج الكاتب أيضاً على تاريخ التصوير في فلسطين، أي على يد مصورين فلسطينيين، ذاكراً الدور الريادي للأب يساي غاربديان، وغاربد كريكوريان اللذين ساهما في حملة التحديث التي أطلقها السلطان العثماني عبد الحميد. لكن خليل رعد كان أول من وثق فلسطين بالصور ويذكر أسماء مصورين آخرين أسهموا في انتشار التصوير «الوطني» في فلسطين ومنهم سابا وصوابيني ودومياني وغيرهم.

من المفيد في هذا العرض المسهب سرد أسماء المصورين الأوروبيين الذين أتوا إلى فلسطين مرسلين من هيئات دينية ومؤسسات عسكرية واستخباراتية تتخفى خلف ستائر أكاديمية مثل تسجيل آثار وجغرافية البلاد وثرواتها الطبيعية والجوفية.
الإنكليزي كلوديُس غالِن ويلهاوس كان أول من أتى إلى فلسطين عام 1849 لتصويرها وفق التقنية الإنكليزية المعروفة باسم مخترعها تالبوت. أما الإنكليزي فرنسس فرِث، فكان أول من استعمل عام 1856 تقنية تصوير جديدة تعرف باسم Collodial Plate.
أما أول من حضر إلى فلسطين لتصويرها، فكان الفرنسي جان- نويل ليربور، ممثلاً لشركة أجهزة بصرية باريسية، ورافقه في الرحلة، التي انطلقت عام 1839 الرسام هوراس فيرنيه. أما فريديريك غوبيل-فيسكي، فقد كان أول من صور غزة عام 1839 التي حل بها آتياً من مصر. وتلت أولئك الأوائل مجموعة من المصورين والفنانين أحدهم كندي.

أما جوزيف- فيليبير غيرول دو براني، فكان عالماً شغوفاً بالعمارة الإسلامية حيث استعمل تقنية داغر للتصوير في اليونان ومصر وسورية وفلسطين. لكن المجموعة الوحيدة من هذه التقنية التي بقيت هي 931 منظراً تعود له. وهناك العالم الألماني أوغست لورِنت من مدينة هايدلبرغ الشهيرة بموقعها الأكاديمي. أتى إلى فلسطين وزار القدس والبحر الميت وأحضر معه إلى بلاده أصنافاً من خضروات البلاد، ذلك أنه كان ولعاً بجمعها، إضافة إلى هواية التصوير.
يؤكد إلياس صنبر أنّ هذا الاختراع الجديد أثار انتباه الصليبيين السلميين ــ كما أسماهم ــ الذين كانوا يعدون العدة لغزو فلسطين و»استعادتها» إلى «الحاضنة المسيحية»، وفي الوقت نفسه إثبات بطلان نظرية داروين.
لذا، قامت «كنيسة إنكلترا» بإرسال جورج سكين كيث ووالده إلى فلسطين عام 1844 وعادا بصحبة 20 صورة استعملت في كتاب «براهين على صحة الديانة المسيحية». وتبع الأب والابن جورج ولسن بردجز الذي انطلق عام 1846 في رحلة دامت سبع سنين حول شواطئ البحر الأبيض المتوسط وصل في نهايتها إلى فلسطين في عام 1852. أما الصور التي التقطها فقد استعملت في كتابه «فلسطين كما هي: مجموعة مناظر ضوئية توضح الكتاب المقدس».
عام 1850 ــ ودوماً بحسب المؤلُّف ــ شهد تصاعداً في اهتمام المصورين بالشرق على نحو عام، وبفلسطين «أرض الكتاب المقدس» بوجه خاص. كما بدأ في الوقت نفسه انطلاق مغامرين وباحثين عن الآثار ولصوص وقراصنة وآثاريين وجغرافيين وجواسيس إلى فلسطين. الإمبراطورية العثمانية كانت تعاني الضعف المستمر، والصراعات الدينية والمذهبية التي اندلعت في بعض أنحاء الشرق، أفسحت في المجال أمام التدخل الغربي المستمر في شؤون الدولة العثمانية وبالتالي في فلسطين وغير فلسطين.

يؤكد صنبر أنّ المصورين الغربيين تأثروا بأحوالهم الشخصية التي ترجمت في نمط الصور التي التقطوها. على سبيل المثال، انطلق الأب جورج ولسن، المشار إليه آنفاً، في رحلته الطويلة إثر معاناته فاجعة عائلية، والصور التي التقطتها عدسة آلته كانت سوداوية الطابع. أما ارنست بِنِكِ، فقد التقط صوراً تغلب عليها أجواء الغموض والسرية. المقصود هنا أنّ بعض صور فلسطين عكست رؤية ذاتية محض، رؤية مزيفة، وليس ما هو فيها.
أما المصورون الذين مارسوا دوراً رئيساً في تصوير فلسطين في تلك السنين، فكانوا الإيرلندي جون شو سمث (1852) والاسكتلندي جيمس غرهام الذي كان عضواً في «جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود» (1853)، والبروسي فلهلم فون هرفُرد (1855)، والفرنسي من أصول هولندية تيودور لوف الذي كان أول من التقط صورة بانورامية لمدينة القدس، علماً بأنه قتل في عكا عام 1856. ويضاف إلى القائمة القس الإنكليزي ألبرت أغسطس آزاكس (1857)، والنمساوي أُثُن فُن أُستهايم الذي رافق كونت دو باري (1859-1860).

مساعي الكُتَّاب والرحالة من مغامرين وعلماء، يعملون لصالح المشاريع الهيمنة الاستعمارية، والأشقياء، جمعهم كلهم هدف واحد هو «استعادة» الأرض المقدس للحاضنة المسيحية على نحو نهائي! لذا، استمر الغزو الثقافي عبر مختلف القنوات آنفة الذكر، وانضمت إليه الآن مجموعة من العسكريين بهدف الإعداد للغزو المادي. أتى فلسطين لُدفيكو هارت من سلاح الهندسة البريطاني، ولحقه فرانك ميسن غود في عام 1872.
القائمة تطول، لذا نكتفي هنا بسرد اسمي إصدارين نشرا في تلك الأيام يعكسان بدورهما طبيعة ذلك الاهتمام، أي الاستعماري: كتاب «مصر وفلسطين مصورتان وموصوفتان» الذي نشر في عامي 1862 والسنة التالية صدر كتاب هنري بيكر «أرض إسرائيل».

الفرنسي من أصول هولندية
تيودور لوف كان أول من التقط صورة بانورامية لمدينة القدس

لفت صنبر في الكتاب إلى أن انغماس الفرنسيين في الاهتمام بفلسطين ليس مفاجئاً، مع أن فرنسا الكاثوليكة، أقل حربية من بريطانيا البروتستنتية الأصولية. الصراع على الشرق كان في مراحله الأولى، وكان الكل يشحذ سيوفه استعداداً لمعركة تقاسمه فور تدمير الدولة العثمانية.
مع ذلك، لا يدعي صنبر بأنه يقدم تاريخ تصوير فلسطين أو تاريخ فلسطين المصور. نقرأ قوله إن هذا العمل المثير ألبوم شخصي، إضافة إلى كونه توثيقاً لجوانب من مادته. لكنّ فلسطين، التي اغتصبها الصهاينة المدعومين بقوة الغرب الاستعمار، نظروا إليها من منظور آخر. هذا ليس متوافراً في المؤلف، ما دفع صنبر إلى تأكيد هذا النقص. ختم الباحث الفلسطيني كتابه بصور مبادرة الفلسطينيين إلى عرض أنفسهم بعيونهم. لذا، نرى في ذلك القسم صور الفدائيين في أغوار الأردن، ثم المقاتلين في لبنان، والخروج عام 1982 والدمار وأبطال الحجارة في الانتفاضات.
هذا الكتاب مهم، لكن ليس فقط بسبب ثرائه بالصور، وإنما أيضاً لمقدمته الثمينة حقاً.