أول من أمس، أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بياناً عبّرت فيه عن استيائها من الحلقة 12 (31/7/2012) من «الغالبون 2» الذي تعرضه «المنار». السبب كان مشهداً «قد يوحي بعدم استقلالية اللجنة» على حد تعبيرها. المشهد المذكور يظهر ندى بو فرحات عميلة تنتحل صفة متطوّعة في اللجنة كي تتجسّس لصالح اسرائيل. رأت لجنة الصليب الأحمر أنّ ذلك قد يضلّل مشاهدي المسلسل ونظرتهم إلى اللجنة في وقت امتنعت فيه قناة «المنار» عن الردّ. منذ جزئه الأول، أثار العمل الذي يرصد سيرة المقاومة الإسلامية الجدل على محاور عدة.


في رمضان الماضي، تعرّض لانتقادات مفادها أنّه أقصى حركات المقاومة الأخرى لاسرائيل في لبنان. أما جزؤه الثاني الذي يعرض حالياً، فقد انقسمت الآراء في تقييمه نقدياً. لكن ما يُحسب لـ«الغالبون2» الذي يؤرخ للمقاومة في الجنوب اللبناني بين 1986 و 1992، فهو ذلك التنوّع بين «عمليات عسكرية، وعلاقات عاطفية واجتماعية ومناجاة إلهية». منذ حلقاته الأولى، يزخر سيناريو فتح الله عمر بشخصيات جديدة ضمن خطوط درامية متشعبة، تعكس الذل والتعذيب الذي عاناه الجنوبيون داخل الشريط الحدودي، وتشكل قصصاً فرعية تسير بالتوازي مع الخط الرئيس، وتغني حكايات الجهاد والعمليات الاستشهاديّة، وتعطي تنويعاً في الوجوه وأماكن التصوير التي وصل عددها إلى 400، ما استدعى استعانة المخرج رضوان شاهين بمزيد من الممثلين كطلال الجردي، وفيفيان أنطونيوس، وباسم مغنية، وبديع أبو شقرا، وندى بو فرحات، وإلسا زغيب، ونادين ويلسون نجيم وغيرهم. وأضيفت إلى الجزء الجديد شخصية «الجلبوط» التي أتقن حسن فرحات تقديمها، لتصوّر الظلم الذي مارسه العملاء على اللبنانيين خلال الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن الإضاءة على معتقل الخيام حيث اختبر اللبنانيون عذابات متنوعة الأساليب والأدوات. يحفل هذا الجزء بالعمليات العسكرية للمقاومة. للمرة الأولى، يُعاد تمثيل نحو 20 عملية، منها ثماني عمليات نوعية، بعد إنشاء المواقع العسكرية وتجهيز لوازم التفجيرات بالاستعانة بفريق إيراني متخصص، ما يعكس ضخامة الإنتاج. وقد قدمت الحلقات الماضية عملية «الأسيرين» (1986) في كونين، وهي أول عملية أسر داخل الشريط الحدودي. ونظراً إلى أهميتها أخذت حيزاً من الحلقات على حساب الدراما، ثم عملية «الحقبان» وهي أول عملية اقتحام موقع إسرائيلي في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، وأعيد تمثيلها بحرفية عالية. ولا يكتفي هذا الجزء بعمليات المقاومة بل يتطرق إلى عمليات حققتها حركة «أمل» آنذاك وإنجازات الحركات والقوى المقاومة الأخرى. واجه العمل تحديات كثيرة مثل كيفية تقديم شخصية الأمين العام السابق لـ«حزب الله» عبّاس الموسوي، فاختير ياسر عباس الموسوي الذي قدّم شخصية أقرب ما تكون إلى والده شكلاً وأداء، ليكون هذا الدور أول ظهور للموسوي الابن كممثل. يتميز هذا الجزء برؤية إخراجية مختلفة عن العام الفائت، ويبرز جمالية الجنوب وطبيعته عبر استخدام المخرج رضوان شاهين الكادرات الواسعة والمفتوحة. ويلاحظ اعتماده على اللقطات التأسيسيّة لأغلب الأماكن التي يصوّر فيها كمشاهد عامة تعكس الأجواء المحيطة أو تعطي لمحة عن موقع الأحداث، وغالباً ما يكون مشهداً خارجياً أو لقطة عريضة للموقع الجغرافي. بالإضافة إلى أنّ المشاهد البانورامية الخارجية المتعددة في هذا الجزء تريح عين المشاهد أكثر من التصوير الداخلي المكرر. ينقل العمل الحياة الجنوبية كما هي. سينوغرافيا هذا الجزء واقعية ومليئة بتفاصيل هذه البيئة، تشمل الخط البياني للمنظر التلفزيوني من أثاث وإكسسوارات وإضاءة وتصميم ملابس وماكياج بحيث تبدو في النهاية منظومة مركبة ومؤثرة في الصورة النهائيّة للعمل. وفي الوقت نفسه، تحاكي هذه السينوغرافيا الفترة التي يجسّدها المسلسل، فتوائم بين الترتيب التشكيلي للمشهد والزمن الذي ينقله.
وإن كان «الغالبون1» تميز بنصّه وحواراته، فهذه الميزة تحضر في الجزء الثاني أيضاً. يطغى على الحوارات غير العسكرية الطابع الشعبي غير المتكلّف الذي يُخرج للمرة الأولى الأعمال المقاومة من النمط الذي طُبعت به لسنوات. لطالما اعتبر أنّ العمل المقاوم يجب أن يكون جدياً وجافاً، وهو العُرف الدرامي الذي كسره «الغالبون» عبر تطعيم هذا الجزء بالفكاهة التي تظهر في المشاهد التي تجمع أبو حسين (أحمد الزين) وأم حسين (وفاء شرارة).
ولعل أبرز ما يميز المسلسل، هو تقديمه المقاوم كإنسان له حياته الخاصة، ولا ينفصل عن بيئته. وأياً تكن الانتقادات الموجّهة إلى «الغالبون2»، فإنّ قوته تكمن في الرسالة التي يقدمها كأضخم إنتاج يؤرخ للمقاومة الإسلامية في الجنوب.

«الغالبون2» 21:30 على «المنار»