تونس | لا تزال أحداث معرض العبدلية في ضاحية المرسى تلقي بظلالها على الجدل السياسي في تونس (الأخبار 23/ 6/ 2012). ورغم إدانة المحكمة للشخص الذي يعمل عدلاً منفذاً (من مساعدي القضاء) وتسبّب في افتعال سيناريو «المس بالمقدسات» في المعرض، واعتبار دعواه باطلة، إلا أنّ كتلة «النهضة» في «المجلس الوطني التأسيسي» استثمرت القضية (راجع الكادر)، وتقدمت أخيراً بمشروع قانون لـ«تجريم المسّ بالمقدسات». يتزامن هذا المشروع مع انعكاف المجلس التأسيسي على صياغة دستور جديد للبلاد، بما فيه تنقيح وإتمام بعض فصول «المجلة الجزائية التونسية» (قانون العقوبات).


وجاء في مشروع قانون «النهضة»: «يعاقب بالسجن مدة سنتين وبغرامة قدرها 2000 دينار (1000 يورو) كل من يمسّ بالمقدسات». ويشرح نصّ المشروع أنّ «المسّ بالمقدّسات» يتمثّل في «السبّ أو الشتم أو السخرية أو الاستهزاء أو الاستنقاص أو تدنيس المقدسات مادياً أو معنوياً، سواء كان ذلك المسّ بالكلمة أو بالصورة أو بالفعل، كما يكون المسّ بتصوير أو تشخيص الذات الإلهية ورسُلِ الله».
المشروع الذي يُفترض أن يناقشه المجلس التأسيسي هذا الأسبوع تعرّض لإدانة واسعة من المجتمع المدني وبعض أعضاء «المجلس الوطني التأسيسي»، ومن قبل منظمات دولية تُعنى بالحريات. وفي ندوة عقدتها «النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» أخيراً، تحدث عدد من نواب المجلس التأسيسي عن خطورة هذا القانون، فـ«المسّ بالمقدسات» يمكن أن يكون ذريعةً لتكميم الأفواه ومحاصرة الإبداع ومصادرة الخيال والعمل الفني ومحاكمة المبدعين في تونس، وهو مفهوم فضفاض قابل للتأويل بالصورة التي تراها السلطة مناسبةً. كذلك دانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المشروع بوصفه يهدّد حرية التعبير في بلد عانى طويلاً حصار الحريات، وخصوصاً في مجالي حرية التعبير والإبداع.
وفضلاً عن قضية معرض العبدلية التي لا تزال المحكمة تنظر فيها، استندت كتلة «النهضة» في إعدادها لهذا المشروع إلى تهمة «الإساءة إلى الذات الإلهية»، التي واجهتها قناة «نسمة» إثر عرض فيلم «برسيبوليس» الشهير (الأخبار 11/11/2011). وعلى خلفية هذه القضية، غرّم القضاء التونسي مدير المحطة نبيل القروي مبلغ 2400 دينار (1200 يورو).
مشروع هذا القانون يؤكد مجدداً ناقوس الخطر الذي دقّه قبل أيام رئيس «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» عبد الستار بن موسى. أعرب الأخير عن مخاوفه من أن يأتي دستور 2012 أكثر قمعاً للحريات باسم «المقدّس»، على الطريقة نفسها التي صادر بها دستور الـ 1959 الحريات باسم «النظام العام». إنّها جولة جديدة في معركة يخوضها المبدعون والفنانون في تونس من أجل الدفاع عن مجتمع تتوافر فيه ضمانات الحرية بعد سنوات من القيود، لكن المشكلة التي تواجه الحركة الديموقراطية، هي اختلال موازين القوى في «المجلس الوطني التأسيسي» الذي «تسيطر» عليه الترويكا الحاكمة. وطبعاً، تحاول هذه الترويكا إرضاء قواعدها الشعبية، وحلفائها السلفيين الذين لم يستوعبوا حتى الآن تخلي «النهضة» عن بند في الدستور ينصّ على أنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع في البلاد. هكذا إذاً، تحاول الحركة الإسلامية أن تستعيد باليد اليمنى ما تنازلت عنه سابقاً باليد اليسرى كما يقول محللون.




نكسة حقيقية للثورة

باحثات كثيرات مثل رجاء بن سلامة، ونائلة السليني، وألفة يوسف، وأمل قرامي وكثيرات غيرهن الأكاديميات والمتخصصات في الحضارة الإسلامية، أعربن عن إدانتهنّ لمشروع القانون الذي تقدّمت به «النهضة» عبر مقالات كتبنها في الصحف أو عبر فايسبوك. ويرى المراقبون أنّه إذا نجحت الحركة الإسلامية في إمرار هذا المشروع، فإنّ ذلك سيعدّ نكسة حقيقية للانتقال الديموقراطي ولمطالب الثورة التي كانت أساساً من أجل الحرية ولم يرفع فيها أي شعار ديني. تونس دولة عريقة في إسلامها لا تحتاج إلى حركات وأحزاب تلبس الجبّة المدنية في الوقت الذي تحافظ فيه على طابعها الديني الدعوي.