لم تشفع له شيخوخته، ولا لحيته البيضاء، ولا تأسيسه لحركة «النهضة» الإسلامية. لقد ضُرب الشيخ عبد الفتاح مورو بكأس على رأسه، ما سبّب له جروحاً بالغة في الجبين واليد، وآلاماً نفسية عميقة. لكن الغريب أنّ المعتدي... واحد من أنصار حركته، كما يقول شهود عيان لـ«الأخبار» فيما اكتفت مصادر إعلامية بالإشارة إلى أنّ الفاعل «متطرف» من دون تحديد انتمائه السياسي. حدث ذلك يوم الأحد الماضي في مدينة القيروان (وسط تونس) التي احتضنت ندوة حملت عنوان «التسامح في الإسلام» دُعي إليها الشيخ مورو (1948)، والمفكر يوسف الصديق (راجع الكادر)، والناطق الرسمي باسم «حزب التحرير» رضا بلحاج. وفي الوقت الذي كان فيه الشيخ مورو يناقش ويدافع عن المفكّر الصديق الذي لا تروق طروحاته الإسلاميين المتشددين، أقدم أحد الحاضرين الغاضبين من الصديق برمي الشيخ مورو بكأس زجاجية، قبل أن يقول بنبرة حادة: «نحن هنا نقاوم بالسيوف من يمسّ المقدّسات»! هكذا انتهت الندوة التي أراد منظموها أن تكون رسالةً لنشر ثقافة التسامح.

نهاية دامية أكدت مرة أخرى انزلاق الحياة الثقافية والسياسية في تونس إلى العنف على نحو غير مسبوق. وكان المعتدي قد اتهم مع مجموعة من الحاضرين الصديق بالإساءة إلى عائشة بنت أبي بكر، وهو ما لم يحدث إلا في خيالهم، إذ إنّ الصديق من أكبر المدافعين عن زوجة النبي. وقال عدد ممن حضروا الندوة إن المعتدي على الشيخ مورو من أنصار حركة «النهضة»، وقد سبق أن حُكم عام 2006 وفق قانون الإرهاب، وغادر تونس بعد خروجه من السجن ليعود إليها بعد الثورة التي حررت الإسلاميين بكل فصائلهم من المطاردة الأمنية... بل وضعتهم في سدّة الحكم.
الشيخ مورو الذي لا يخفي تباينه مع عدد من قادة حركة «النهضة» ومع السواد الأعظم من مناصريها، رأى أنّ ما حدث له يستوجب إطلاق صرخة لإنقاذ تونس من ثقافة العنف التي ستحرق الأخضر واليابس. وأضاف أن هذا السلوك الإجرامي نتيجة طبيعية لما يقوم به الجهلة المتحدثون باسم الإسلام من شحن لعقول البسطاء ودفعهم إلى ممارسة العنف ضد كل من يخالف رأيهم.
وكان المفكر يوسف الصديق المعروف بإسهاماته في مجال قراءة الإسلام والنص الديني قراءة معاصرة، قد تعرّض قبل أسابيع لموقف مشابه أثناء مشاركته في محاضرة مع رئيس حركة «النهضة» راشد الغنوشي في «جامعة الزيتونة»، حيث حاول شبان سلفيون منعه من الحديث وأصرّوا على طرده.
موجة استياء واسعة خلفتها حادثة الاعتداء على الشيخ عبد الفتاح مورو في تونس. نددت أغلب الأحزاب السياسية بالواقعة. وفي بيان نُشر على موقعها على الإنترنت، وصفت «النهضة» ما تعرض له الشيخ مورو باعتداء «آثم». وجاء في البيان أنّ الحركة تعبّر عن «بالغ تضامنها معه وتدعو له بالشفاء العاجل»، و«تستنكر بشدة ما تعرض له من عنف همجي»، كذلك «تدعو إلى محاصرة كل مظاهر العنف بالتوعية وتطبيق القانون». لكن هل ستنفع هذه الدعوات الشفهية في صدّ المدّ السلفي/ التكفيري الذي يعيث عنفاً في بلد عُرف بتسامح أبنائه واعتدالهم؟




استعادة | في دوامة العنف

حادثة الاعتداء على الشيخ عبد الفتاح مورو، تعيد إلى الأذهان قصصاً عديدة مماثلة يصعب على التونسيين نسيانها بسبب كثرة وقوعها في الفترة الأخيرة، وبالطريقة نفسها: سلفيون يعتدون على من يخالفهم بالرأي. هنا تبرز مثلاً، قضية رئيس «حركة الوطنيين الديموقراطيين» شكري بلعيد، والقيادي في «الحزب الجمهوري» أحمد نجيب الشابي اللذين طالب متشددون برأسيهما علناً، لأنهما «من أصحاب الأحزاب العلمانية الملحدة الكافرة»! كذلك تبرز قضية معرض العبدلية في ضاحية المرسى (شمال) التي لا تزال تبعاتها مستمرة حتى اليوم (راجع الصفحة 14).