تحت معادلة «أنا أشك، إذاً أنا مؤرّخ»، جادل كمال الصليبي العالم كما لو أنه ماضٍ الى أزمنة تشرق فيها حقائق من نوع آخر. في «الهرطوقيّ الحكيم: حوار مع كمال الصليبي» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يقدّم الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر مجموعة حوارات أجراها مع مؤرخ الشكّ والخطيئة الأولى قبل رحيله. كثيفة هي الصدمات المعرفية التي أحدثها صاحب «التوراة جاءت من الجزيرة العربية». ذاك المؤرخ المسكون بقلق البحث وبهجة المعرفة. ماذا يعني أن تحاوره في ذروة الضوء؟ سعى أبو فخر إلى تسجيل المزيد من النقاشات الصاخبة مع الصليبي (1929 ــ2011). سأله عن المسيح، ومحمد، وتاريخ الموارنة، والنهضة العربية، والانسداد التاريخي عند العرب، وفخر الدين المعني، والمتنبي، ورأس بيروت، وطانيوس شاهين، وهجرة المسيحيين، وعن الغرب، والإسلام، والأصولية الإسلامية، وموضوعات أخرى.


منذ البداية، ينجذب القارئ إلى عنوان الكتاب متسائلاً: لماذا استخدم أبو فخر مفردة «هرطوقيّ»؟ هل يصحّ استعمال مفردة «زنديق» ــ بمعناها الإيجابي والثوري ــ على اعتبار أنّها أقرب إلى اللغة العربية، وأنّ مصطلح «هرطقة» (المهرطق أو الهيراطيقي) ذا الجذور الكنسية، كان يُطلق على كل إنسان مبتدع ينادي بتعاليم تخالف ما كُتِبَ في الكتاب المقدس؟ وماذا عن القول المأثور «مَن تنمطق فقد تزندق» بما يحمله من تحريم شمولي للعقل والفلسفة. بصرف النظر عن التسميات والدلالات؟
يستهل صاحب «أنيس النقاش: أسرار خلف الأستار» حواره بتشكيك الصليبي في الرواية الدينية التقليدية حول التوراة وسيرة المسيح. كعادته، يرجع المؤرخ اللبناني إلى جغرافيا اللغة والمكان باحثاً عن أصول كلمة «حضرمُوت» التي ارتبطت عنده بالواحات (أي الحياة) لا الموت، كما هو شائع. ومن تاريخ التوراة إلى محمد، يطرح الكاتب أسئلة طويلة تقترب أحياناً من المجادلات لا المقابلات.
هل هناك محمّدات غير محمد بن عبد الله؟ هل كان اسم الرسول «قُثَم» قبل الإسلام؟ وهل ورقة بن نوفل شخصية تاريخية أم أسطورية؟ بشيء من الحذر، أجاب الصليبي عن أسئلة أبو فخر، فهي في رأيه تحتاج إلى بحث دقيق قبل الخروج بنتائج مرضية. يشار إلى أنّ اسم قُثَم (كثير العطاء) كنية لُقب بها عبد المطلب جد الرسول بعدما فقد ابنه، واسم محمد كان شائعاً في الجاهلية قبل الإسلام، ما يعني أنه ليس اسماً قرآنياً، ويمكن العودة إلى أطروحة الكاتب التونسي عبد الله جنوف «حياة محمد قبل البِعثة: التاريخ والبشارة والأسطورة». رغم ضآلة الأجوبة، يبدو الجزء الثاني من الحوار الأكثر الأهمية لأسباب مختلفة: تفريق الصليبي بين المسيحيين والنصارى، وحديثه عن مريم أمّ عيسى، وعن ثلاثة يواسيع: عيسى بن مريم، ويسوع المطالب بعرش داوود، وإله العيس (بالعربية القديمة: ماء الفحل/ الخصوبة).
حقائق كوقع الصدمة يكشف عنها أبو فخر في حواره الشائك مع صاحب «تاريخ لبنان الحديث»، وعلى قدر أهمية الأسئلة، أتت الأجوبة. لكن الكاتب يقع أحياناً في أخطاء، كما حين يسأله عن أسباب غياب النقاش عن فكرة الوحي، أو فكرة من الذي كتب القرآن؟ نسيَ أبو فخر أن هذه المسألة لطالما نوقشت منذ القديم، وأن المفكر الإيراني عبد الكريم سروش (ككاتب معاصر) أهم من كتب حول هذا الموضوع في أطروحته الشهيرة «بسط التجربة النبوية»، كما أن فكرة «كتابة» القرآن نوقشت من قبل العديد من الباحثين العرب (المعاصرين) في النص الإسلامي.
يتنقل الكاتب في حواره بين العام والخاص، وبين المعرفي والذاتي، وهذه المنهجية أضفت مزيداً من الوهج على صناعة الأفكار. لم يكن الصليبي محباً للغرب بمدلوله الفوقي والاستعماري الجديد، لذا يبدو شديد الميل إلى موطنه وعروبته كدالّ حضاري وثقافي.
يسأل أبو فخر عن الإشكاليات التاريخية التي طرحها الصليبي، ومن بينها تاريخ الموارنة في لبنان. هنا يبرهن صاحب «المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في العصور الوسطى» على الحقيقة التالية: لبنان فكرة تجارية، كيان بدأ يُخطط له منذ عام 1880 مع مجموعة من المسيحيين الكاثوليك، بمن فيهم الموارنة، ولدوا في الشام، وهؤلاء من الأثرياء الذين أقاموا مشاريع تجارية وخططوا لما بات يُسمّى «لبنان» بحدوده المعروفة التي أخذوها من خريطة رسمها الفرنسيون عام 1861. علامَ تؤشر خلاصة الصليبي؟ أولاً، قصة سايكس _ بيكو «هي من جملة التزوير»؛ ثانياً قبل عام 1920 لم يكن ثمة مصطلح «لبنان». لا شك في أنّ هذا الاستنتاج لا يرضي أصحاب النزعة الفينيقية والقومية اللبنانية الذين حاججهم مؤرخنا في أكثر من مقال وأكثر من دراسة قبل رحيله.
في الحديث عن المتنبي، يخلص الصليبي إلى أن شاعر العرب الأول كان على الأرجح «كيسانيّاً» (كما يشير أبو فخر، تعود «الكيسانية» إلى كيسان مولى علي بن أبي طالب، وتعتقد هذه الفرقة أن الإمامة بعد علي منصوصة لابنه محمد بن الحنفية، لأن علياً دفع له رايته في موقعة الجمل تماماً مثلما كان علي صاحب راية الرسول...)، ويصفه بأنه طويل اللسان. ويحط عند كافور الإخشيدي الذي حارب القرامطة، مؤكداً أنه هو الذي أبقى الإسلام السنّي في العالم. ومن بين الاستنتاجات الأخرى التي يدلي بها صاحب «بيت بمنازل كثيرة»، نفيه لوجود الأمير فخر الدين المعني، فهو عنده «شخصية خرافية»، موضحاً أن فخر الدين مجرد جابٍ للضرائب، وأن كلمة أمير ليست لقباً، بل رتبة عسكرية. ماذا بعد؟ يؤكد الصليبي أنّ المسيحيين لم يتعرضوا للاضطهاد خلال فترة الدولة العثمانية، وهنا يتفق مع الكاتب الفرنسي هنري لورنس، الذي أكد في أطروحته الهامة L’orient arabe (المشرق العربي) أن العصر العثماني هو العصر الذهبي بالنسبة إلى مسيحيي المشرق.
«آل الخازن ليسوا مشايخ كمشايخ الدروز»، هذا ما يقوله الصليبي، الذي يشير إلى «أن آل الخازن حصّلوا كثيراً من الأراضي بمساعدة الفرنسيين، واحتقروا أعيان الفلاحين الموارنة في كسروان، وراحوا يمارسون عليهم بعض التصرفات التي كانت في فرنسا في عهود سابقة، مثل عادة «التفخيت»، أي إنّ للشيخ في ليلة العرس الحق في مضاجعة العروس قبل عريسها».
يكمل أبو فخر حواره مع صاحب «تاريخ الجزيرة العربية»، الذي اعتبر طانيوس شاهين (يوصف في التاريخ الرسمي بأنه من قادة ثورة الفلاحين الموارنة ضد الإقطاع في أواسط القرن التاسع عشر) مجرد شاب متوحّش، إلى أن يبرهن أن هجرة المسيحيين لم ترتبط بالاضطهاد والفقر... بل لأنهم أحبّوا المغامرة! هل قال الصليبي في هذا الحوار المميز كل ما عنده؟ الأكيد أنه لم يصل إلى النهايات.