«الجديد» مستمرّة في عرض التقارير الاستقصائية الخاصة بشهود المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أعدّها رامي الأمين وتقدَّم في النشرة المسائية ضمن «خاص الجديد» (الأخبار 6/8/2012). هذا ما أكدته مديرة الأخبار والبرامج السياسية في المحطة مريم البسام لـ«الأخبار»، متحدية بذلك الإخطار الذي وصلها من المحكمة الدولية بعدم بث هذه التحقيقات التي تعرّض حياة «الأفراد الذين أجريت معهم المقابلة للخطر».


إذاً بعد توقّف أول من أمس بسبب كتاب سرّي أرسلته المحكمة إلى المحطة بهدف وقف بث هذه التقارير، استأنفت القناة اللبنانية أمس عرض تحقيقات الأمين. يقول الإعلامي الشاب لـ«الأخبار» إنّه درس هذا الملف من الناحية القانونية، ولهذا السبب اختار تمويه وجوه الشهود وإخفاء أسمائهم في التقارير التي أعدّها. المطلوب برأيه ليس تشهيراً بالشهود بل تبيان مدى «اهتراء» هذه المحكمة التي استندت إلى شهادات هؤلاء لإصدار قراراها الاتهامي. وما قام به هو ليس سوى عملية تدقيق وتحرّ عن خمسين اسماً للشهود جرى تسريبها إليه، فعمل على البحث عنهم والتعامل مع كل واحد منهم تبعاً لمهنته (السيارات، الاتصالات، المقاولات، مكافحة الحرائق) بطريقة متخفية، موهماً إياهم بأنّهم بعيدون عن التناول الإعلامي. الغريب كما يلفت الأمين أنّ هؤلاء الشهود أدلوا بمعلومات كاملة عن أنفسهم بكل ارتياح حتى بعد معرفتهم بأنها ستنشر إعلامياً.
من الناحية الأخلاقية، يبرر الأمين استخدام الكاميرا الخفية مع الشهود بأنّ التلفزيون متطلب أكثر من باقي الوسائل الإعلامية، وهو بحاجة ماسة إلى الصورة لتثبيت صدقية ما ينشره، لكنّه أكّد أنّه لم ينتحل شخصيات وهمية لاستدراج الشهود، بل كانت هويته ومهنته واضحتين لهم. وكل ذلك بهدف «كسر صورة المحكمة التي تدّعي المهنية العالية في التعاطي مع الشهود والمهترئة جراء الفساد الذي أصابها». وآخر الأدلّة على ذلك _ كما يلفت الأمين _ هو شراء معلومات سرية من داخلها. كذلك، لا ينفي الهدف من عرض هذه التقارير الذي يقع ضمن السبق الصحافي في التحري والتحقق من المعلومات المسربة إليه وعرضها قبل أن تأخذها محطة أخرى. أما من الناحية القانونية، فيرى الأمين أنّ إخطار المحكمة إلى «الجديد» ليس سوى دليل على دقّة تقاريره وصدقها.
إلا أنّ مصدراً قضائياً يرى أنّ ما تضمنه الإخطار من تحميل المسؤولية «الجنائية» للمحطة يأتي بسبب تعريض الشهود للخطر، خصوصاً في ظل وجود الأشخاص المتهمين خارج قيد المساءلة، معتبراً أن تصوير الشهود من دون علمهم يعتبر خرقاً للخصوصية الفردية، سيما أنّهم ليسوا شخصيات عامة. ويستند في ذلك إلى قرار المحكمة بعدم كشف أسماء الشهود قبل مثولهم أمام محاكم محلية أو خاصة، لأنّ ذلك قد يمثّل تدخلاً في مسار العدالة وضغطاً عليهم لتغيير إفاداتهم. ويشير المصدر إلى عدم وجود آلية تنظم عمل الإعلام اللبناني في المحكمة، لكنّ الأخيرة ملتزمة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، ما يعني أنّ «الجديد» ليست ملزمة أمام المحكمة بشيء.
إذاً، تتواصل تقارير رامي الأمين رغم تحذير المحكمة بلسان رئيس قلمها من المساءلة وتحميل المسؤولية الجنائية للمحطة. إلا أنّه في الاجتماع الذي جمع المسؤولين عن القناة ومجموعة محامين أمس، ارتأت المحطة أن تلجأ إلى تمويه وجوه الشهود أكثر في التقارير المقبلة.
إذاً، كباش جديد بين المحكمة والقناة، لكن البسام تبدو مطمئنة إلى نتائجه، خصوصاً أنّ الشهود الذين التقاهم الأمين «أدلوا بمعلوماتهم بملء إرادتهم، ومارسوا حقهم في التعبير عن آرائهم، ولم يبدوا أي امتعاض أو استياء» بعد معرفتهم بأمر التصوير وتسجيل معلوماتهم. وعن إمكان وصول الأمور إلى المساءلة القانونية مع مواصلة بث التقارير، تجيب البسام: «نحن مستعدون لذلك. ونحن لها»، خاتمة حديثها «ليس عندي أي مشكلة في المثول شخصياً أمام المحكمة، أكان في لبنان أم في لاهاي».