تونس | لم تكن أصالة نصري تدرك أنّها فتحت على نفسها أبواب الغضب الشعبي في تونس عندما قالت إنّها تناصر الجيش السوري الحرّ، وما يروَّج عن أنّها ستتبرع له بأجرها من الأمسية التي تقدّمها الليلة ضمن فعاليات «مهرجان قرطاج الدولي». منذ أيام، تتكاثر الصفحات على فايسبوك الذي أدمنه التونسيون، وخصوصاً مع الدور الذي أداه في إسقاط النظام السابق. هذه المرة، يريد هؤلاء «إسقاط أصالة»، فيعملون على قدم وساق بغية إفشال أمسية الفنانة السورية التي تحييها الليلة في المسرح الروماني في قرطاج. تدعو هذه الصفحات الى مقاطعة الحفلة، لأنّ ثمن أي تذكرة يدفعها التونسيون سيذهب الى «الجيش الحرّ وحلفاء الناتو والإرهابيين الذين يقتلون الآن الأبرياء في سوريا تحت شعار الثورة»، كتب النشطاء الذين لقّبوا أصالة بـ«الشيخة» وركّبوا لها صوراً بالنقاب وهي تحمل لافتات سوداء كالتي يرفعها السلفيون في تونس والخليج العربي!


واذا كانت حفلات «قرطاج» وأغلب المهرجانات التونسية تسير بشكل عادي من دون أي مشاكل أمنية باستثناء بعض التجاوزات البسيطة، فإنّ أمسية اليوم غير مضمونة العواقب بعد حالة «التعبئة» التي شهدتها صفحات الفايسبوك. لم ينف مصدر مسؤول في إدارة «مهرجان قرطاج» احتمال تأجيل الحفلة أو إلغائها، لكنّه في المقابل أكّد لـ«الأخبار» أنّ الاستعدادات تسير بشكل عادي لتنظيم الأمسية وتوفير كل ظروف نجاحها التقنية. أما الترتيبات الأمنية، فهي من اختصاص وزارة الداخلية التي تبقى الجهة الوحيدة المؤهلة لإلغاء الحفلة في حال عدم توافر الضمانات الأمنية.
ويفترض أن تكون المطربة السورية «المنشقّة» قد وصلت ظهر أمس الخميس الى تونس لإحياء حفلتها التي سبقها جدل كبير بسبب إعلانها تخصيص عائدات الأمسية لدعم ما سمّته «الثورة السورية». وهو ما أشعر قسماً كبيراً من جمهورها التونسي بأنّ أي مليم سيدفعه، سيذهب آلياً إلى جيب الجيش السوري الحرّ، ما يمثّل مسؤولية أخلاقية ورمزية بالنسبة إليه، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من التونسيين ينظرون إلى القضية على أنّها «دعم للإرهاب وتشجيع على العدوان على الشعب السوري الذي يتعرض لعدوان دولي».
والمعروف أنّ تونس كانت أول بلد عربي يقطع علاقاته الديبلوماسية مع النظام السوري. كذلك طُرد السفير السوري في خطوة مفاجئة قام بها الرئيس المؤقت منصف المرزوقي. وكانت تونس أول بلد عربي يستضيف مؤتمر المعارضة السورية، علاوة على تجنيد عدد من الشبان للقتال في سوريا في سابقة لم يعرفها التاريخ التونسي. وقد لقيت كل هذه الخطوات معارضة كبيرة من القوى اليسارية والقومية التي ترى أنّ الحكومة والرئيس المؤقت قد زجّا بتونس في صراع لا يراعي المصالح العليا للبلاد، ويتناقض مع التقاليد التونسية في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
هكذا إذن ستجد أصالة نصري نفسها اليوم في مواجهة قسم كبير من الجمهور الذي قد يكون حضر إلى قرطاج من أجل رفع شعار Dégage في وجهها. ويخشى البعض ألا يسلم مسرح قرطاج الذي يتسع لنحو ١٢ ألف متفرج، من تجاذبات قد تصل الى حد العنف بين محبّي أصالة ومعارضيها. ولهذا ظلّت وزارة الداخلية إلى حد ظهر أمس متردّدة بشأن حسم مصير هذه الحفلة بسبب المخاوف الأمنية والحوادث المحتملة التي قد تواجهها في مسرح مفتوح تصعب السيطرة عليه.