بيروت هنا، لا تشبه بيروت هناك. المدينة المتقشّفة داخل قاعة The Venue، ليست كتلك الباذخة بأسواقها التجارية المحيطة بصالة العرض. مدينة من لون وضوء، صمّمها شبابٌ وُلد أصغرهم قبل انتهاء الحرب الأهلية، ونال شهادته الأولى في الفنون الجميلة بعدما رمّمت شركة «سوليدير» وجه بيروت وقلبها. للسنة الثالثة، تستضيف «سوليدير» مجموعة من متخرجي كلّيات الفنون الجميلة في لبنان في معرض «آفاق 3»، وبتنظيم رزان الشطّي وإشرافها. على الرغم من غناها، ثمة تباين ملحوظ في مستوى المشاركات من حيث النضج الفني.


في حين أن معظم الفنانين قدّموا نتاج أعوام من الدراسة والبحث، بدت مشاركات بعض زملائهم وكأنها خطوات في طريق إنجاز مشروع أكبر، بينما افتقدت مشاركات أخرى الوحدة الموضوعية.
بالأبيض والأسود، نقل بهاء السوقي فوتوغرافيا حركات الراقصين في عروض مختلفة. لكنّ إضافة لوحتين (مواد مختلفة على خشب) بمضمون بعيد عن المسرح، أضعفت مشاركة السوقي الذي شكّل التصوير الضوئي ركيزة عمله خلال السنوات الأخيرة. حدث العكس مع أحلام عباس التي لم تراعِ أعمالها الفوتوغرافيّة تقنيات التصوير، بينما ظهر خطّ واضح في لوحاتها (أكريليك على قماش) التي جمعت بين الزخارف العربية والشخصيات المصوّرة. في المقابل، لخّصت مروة العوجي مشاركتها بلقطات من أحياء لبنانية قديمة جمعتها وحدة الموضوع، رغم تفاوت في تأليف المشهد واستخدام الضوء.
ثمة مشكلة في «آفاق 3»، تكمن في عدم التكافؤ في توزيع الإضاءة. زُوّد القسم الأول للصالة بمَنَاوِر في السقف تتيح لضوء النهار أن يشارك الإنارة الكهربائية، بينما عانى القسم الثاني ضعفاً في توزيع الإضاءة، وبدت الجدران سوداء، وهو ما كان مجحفاً بحق الأعمال المعروضة هناك. في الضوء الخافت، برزت مجموعة رولا شمس الدين (أكريليك على قماش) التي أجادت فيها الفنانة تطويع درجات مختلفة من الأحمر في تعبير عن حميمية العلاقات الجنسية وانتهاك الخصوصية. في التصوير الصحافي، عرض الزميل مروان طحطح أربعة أعمال أبرزت الوجه الشعبي لبيروت في تناقض حاد مع أناقة وسطها التجاري. وأظهرت كذلك اهتمامه في التأليف الهندسي للصورة. أما محمد سعد الحائز جائزة لجنة التحكيم في متحف سرسق 2012، فاختار أن يسخَر من المشهد السياسي اللبناني بشخصياته وأحداثه، عبر لوحات بانورامية (زيت وطباعة رقمية على قماش) بعنوان «قصة لبنانية». في الإطار السياسي أيضاً، احتلّ الجزء الخلفي من القاعة تجهيز لنيكول يونس يمثل خريطة متحركة لبيروت، إضافة إلى لوحات (مواد مختلفة على خشب) في متتالية الدمار والتجدّد. في محور مشابه، طرحت سميّة عيتاني خطاباً سياسياً مباشراً حول النظام العالمي الجديد والماسونية في عملين (طباعة رقمية على بليكسي غلاس). وبعيداً عن البروباغاندا، خطّط قيصر المقداد خريطة تجريدية للمدينة في واحدة من لوحاته (زيت على قماش) ضمن مشروع تكاملت لغته التأليفية واللونية.
شكلت المرأة محور أعمال كل من نور بلوق ورشا قصير. حضرت الأنثى على نحو عصريّ في لوحات بلوق (زيت على قماش) التي عالجت مسألة النظرة الذكورية إلى المرأة العربية، وأظهرتها عارية في لوحة ثالثة وزعت عناصرها على خلفية بيضاء تماماً. أما قصير، فاهتمّت بصورة المرأة عبر التاريخ ضمن مشروع متتاليات (طباعة حريرية/ مواد مختلفة على قماش) تمرّ بفينوس إلهة الخصوبة والجمال اليونانية، وصولاً إلى «فينوسات» عصرنا الحالي مثل مارلين مونرو، وأنجلينا جولي. المرأة في أعمال أليسار قانصو جُسّدت كضحية للعنف في ثلاث لوحات (مواد مختلفة على قماش) تميزت بتأليف شاعريّ يناقض قسوة المضمون. «شكلُ الظل» هو عنوان العمل الذي حوّل فيه نبيل رزق شظايا القذائف إلى أشكال بشرية مشوّهة، في إشارة إلى ضحايا الحرب الذين تشكّل تجاربهم مجتمعةً فصلاً من الذاكرة الجماعية. في التشويه أيضاً، ركّبت ريما شحرور كولاجاً (مواد مختلفة) يمثل ألعاباً أو أطفالاً مشوهين، وتجهيزاً للعبة ضخمة مصنوعة من ألعاب قماشية عدة. أيضاً، شوّه السوري سامر الضاهر أجساداً عارية بصخب من الألوان الزيتية على القماش، فيما استكانت الألوان في لوحات درويش شمعة (أكريليك على قماش) إلى تبسيط لمشاهد طبيعية وإنسانية مجردة. يوسف نعمة الحاصل على جائزة متحف سرسق للمبدعين الشباب (2010)، قدّم سبعة أعمال تظهر التناقض بين الحياة البدائية وثورة التكنولوجيا في لوحات (طباعة رقمية على بليكسي) على شاكلة دائرة الحاسوب المركزية (motherboard) تداخلت فيها ظلال لحيوانات أو أشخاص يقومون بأعمال بدائية الطابع. أما كاميرا وائل اللاذقي، فروَتْ بلقطات ثلاث قصة القرميد الأحمر والصراع الدائم بين الحداثة والأبنية التراثية في بيروت.
تبقى ملاحظة أخيرة بشأن التوجه الفني العام للفنانين الشباب المشاركين في «آفاق 3»، حيث رجحت كفته للفنون الكلاسيكية، بينما نال الفن المفهومي حصةً خجولة... في ظل غياب تام للفيديو كعمل مستقل.

معرض «آفاق 3»: حتى يوم غد ـــ صالة The Venue (بيروت، الوسط التجاري) ـــ للاستعلام: 01/989040
http://www.solidere.com/beirut-souks




هم المستقبل

معرض جماعي مثل «آفاق 3»، يشكّل فرصة للكثير من الشباب المتخرجين حديثاً في كليات الفنون الجميلة اللبنانية. ليس الأمر تزكيةً، بل اعتراف بحق هؤلاء في دخول المحترف التشكيلي المعاصر الذي يعدّون جزءاً من مستقبله، والاحتكاك مع التجارب الفنية الأخرى ومع الجمهور.