صنعاء | طوال سنوات حكمه الـ 33، شنّ الرئيس السابق علي عبد الله صالح حرباً شرسة ضد الذاكرة اليمنية والصورة. أمعن في تزوير التاريخ الحديث وإعادة كتابته عبر طاقم متخصص ضمّ أكاديميين وساسة، انخرطوا في عملية التزوير بطريقة لا تقول الأشياء بالشكل الذي حدثت به، بل بطريقة تظهر صالح كلاعب رئيسي ومشارك في صنعها، أي بطريقة ترضيه تماماً.


كان يعتقد أنّه نقطة ارتكاز هذا التاريخ، بينما الجميع كومبارس لا أهمية لهم إلا بمدى قربهم أو ابتعادهم عن «الزعيم». كذلك الأمر بالنسبة إلى الصورة. كان لا يحبّ إلا صورته التي يجب أن تتسيّد الواجهة. لذا، شن حرباً أخرى على صور الزعماء السابقين الذين حفروا عميقاً في ذاكرة اليمنيين. وبناءً عليه، لم يكن مسموحاً برفع أي صورة لهؤلاء، بل تعرّض كل شخص يرفع صورة زعيم سابق على سيارته أو داخل محله لمضايقات كثيرة. لا صورة غير صورة علي عبد الله صالح في مختلف هيئاته، فمرة على هيئة عسكري، وأخرى على هيئة مدني يرتدي بزّة وكرافات. كان يعتقد أنّه أشخاص في شخص واحد كأي ديكتاتور مقيم في بلاد الله الواسعة. وعلى هذا اعتاد اليمنيون، ولم يحاولوا مواجهة حملة الرئيس المخلوع في تزييف التاريخ اليمني. لكنها الثورة. وحدث ما حدث رغم كل علّاته. لم تكمل ثورة الشباب طريقها، ونصف ثورة هي قبر مفتوح، كما يقولون. تغيّر النظام. نعم ولو بشكل جزئي. مع ذلك، انعكس ذلك على حياة اليمنيين. بدأوا بالاعتراف بذواتهم، وبأنّهم كائنات غير مُخدّرة بنبتة القات. إنّهم أحياء، يفعلون شيئاً. من هذه الأفعال إنتاج برنامج وثائقي في قناة «اليمن» الفضائية الحكومية التابعة لوزارة الاعلام، التي كانت من نصيب أحزاب المعارضة التي صارت حاكمة الآن بحكم المبادرة الخليجية. يحمل البرنامج عنوان «أعلام صنعوا تاريخ اليمن» وقد صار حديث الناس. يحكي البرنامج عن الرموز اليمنية التي فعلت شيئاً مميزاً في حياة اليمنيين، وكانوا يخشون رفع صورها حتى وقت قريب قبل ثورة الشباب.
يترقب المواطنون ساعة بث البرنامج الوثائقي بلهفة. هناك يلاقون صور الشخصيات التي حُرموا منها طويلاً. وكانت الصدمة الإيجابية منذ الحلقة الأولى من البرنامج الوثائقي، حين ظهرت صورة إبراهيم الحمدي (1943 ـ 1977) رئيس الجمهورية العربية اليمنية من 1974 حتى 1977. الرئيس المدني الذي كان من الشعب، يسير وحيداً في الشارع بلا حرّاسه. كأنّنا باليمنيين يستعيدون عند مشاهدة البرنامج، لحظات رائعة من تاريخهم القريب عندما كان لهم رئيس يقارع مملكة آل سعود، ما أدى إلى مقتله عبر حدث لم يكن الرئيس المخلوع علي صالح بعيداً عنه، إضافة إلى الحمدي، هناك شخصيات أخرى: سالمين رئيس جمهورية اليمن الديموقراطية (اليمن الجنوبي). هذا الرئيس الذي اغتيل أيضاً، وكان يمشي بين الناس بلا حراسة. هناك شخصيات أخرى، أغلبها راحت في حوادث اغتيال غامضة (واضحة). هي ذاتها الشخصيات التي كانت تنافس علي عبد الله صالح على واجهة الصورة وتم تغييبها قسراً. الآن تظهر هذه الصور ثانية عبر قناة حكومية. هناك ملاحظات على طريقة تنفيذ البرنامج الوثائقي، بدءاً من ضعف التوثيق وصولاً إلى تركيزه على شخصيات تنتمي إلى المناطق الشمالية بما يسبّبه ذلك من إشكاليات، وخصوصاً في هذا الوقت الصعب الذي ينادي فيه الجنوب بالانفصال عن الشمال، لكنّها أمور يمكن التغلب عليها في أجزاء لاحقة من البرنامج. المهم أنّ الخطوة الأولى بدأت والأهم هو تصريح المسؤولين عن قناة «اليمن» بأنّ البرنامج لن يضم شخصية علي عبد الله صالح. بمعنى أنّ الأخير قد صار خارج التاريخ.




«أعلام صنعوا تاريخ اليمن»: يومياً 00:40 على قناة «اليمن»