بغداد | أكثر من مملّ ذلك النهج الذي تتبعه الفضائيات العراقيّة المحليّة في رمضان. تخصص هذه القنوات ساعات طويلة لبرامج منوّعة وأخرى حواريّة مع سياسيّين، وخصوصاً أعضاء البرلمان. قسم من هذه البرامج يُقدَّم بطريقة خفيفة تتطرّق إلى السيَر الذاتية والمواقف الطريفة التي مرّ بها الضيوف، مع استفتاء هؤلاء حول مواقفهم من شخصيات تُعرض صورها أثناء الحلقات.


وتقدّم قناة «البغدادية» برنامجاً تحت عنوان «مسؤول صايم». لكن التساؤل يبقى: ما الضير من تغيير البرنامج إلى «عراقيّ صايم» مثلاً؟ فإذا كان شهر الصوم مناسبة لسماع آراء السياسيّين وانطباعاتهم، فإنّ المثقفين والنخب الأكاديمية وربّات البيوت وعمال البناء، لديهم ما يقولونه. وكم كان جميلاً لو أنّ البرنامج خرج من دائرته الضيّقة إلى فضاء أرحب يسمح باستضافة ناشط ثقافيّ، أو أستاذ جامعي. القناة ذاتها، تبثّ برنامج «سحور سياسي» الذي يحمل طابعاً مختلفاً لأنه من أوائل البرامج الحواريّة السياسيّة الجادّة في رمضان. يسعى المقدّم عماد العبادي إلى فتح ملفات الفساد والأمن الهشّ، مع استطلاع آراء المسؤولين عن راهن البلاد ومستقبلها، بطريقة تحوي الكثير من الجرأة.
«المقهى البغداديّ» على شاشة قناة «بلادي»، يطلّ علينا مقدّمه (تبدّل مرّتين) مرحّباً بضيوفه من أعضاء مجلس النوّاب الذين يلبس بعضهم «السِّدارة» البغداديّة للتماهي مع اسم البرنامج وأجواء المقهى الذي يجلسون فيه. يقول صاحبنا لأحد ضيوفه: «أنت خريج كلية التربية الرياضيّة؟ هل انعكس ذلك على أدائك في السياسة وأعمال البرلمان؟» يا الله على هذا السؤال الحاذق!
الملاحَظ في هذا التوجه هو تبعية الإعلام للسياسيّ، أيّاً كان انتماؤه، وبحثه عن الإثارة والعلاقات التي تعزّز من مكانة هذه الفضائية أو تلك لدى الطبقة السياسيّة. «بعد منتصف الليل» هو الآخر يكرّس النهج ذاته في قناة «الرشيد». أربعة من أعضاء مجلس النواب يُحاوَرون في أمور عامّة وخاصّة أو حتّى في مواقف تبنّوها مع كتلهم السياسيّة في محاولة من أحمد الملا طلال لتقديم مادّة إعلاميّة جديدة.
عموماً، يظهر أنّ المثقفين شبه غائبين عن أجواء رمضان هذا العام. لم تهتمّ الفضائيات العراقيّة بإظهارهم ولا بسماع هواجسهم أو ما يفكّرون به، حتّى وإن كانت البلاد مقبلة على حدث ثقافي مهم... وهو الاحتفال ببغداد عاصمةً للثقافة العربية العام المقبل. ألم يكن ممكناً استضافة 30 مثقفاً وفنّاناً في برنامج واحد على مدار شهر الصوم؟
لولا ما شاهدناه في برنامج «بالعراقيّ» على شاشة «الحرة ـ عراق»، لقلنا إنّ المثقفين وشؤونهم مغيّبون بالكامل عن شاشة رمضان، لكنّ المحطة قدّمت حلقات مثيرة ومهمّة عن موضوعات آنية، مثل الثقافة العراقيّة وتحدّياتها، أو استعادة شخصيات لها أثرها كمظفر النواب وعلي الوردي وغيرهما...