لا دلالة واحدة لاسم معرض Heartland الذي يحتضنه «مركز بيروت للمعارض». وصورة البلاد الضيقة تشتتها وتزيدها التباساً مشاهدة الأعمال المعروضة لـ 17 فناناً لبنانياً من أجيال مختلفة. دعت المنسقة جوانا أبو سليمان شوفالييه الفنانين وأعمالهم المعاصرة لاستكشاف علاقتهم بوطنهم.


بيروت، الحرب، البحر، الأسرّة، الأبنية، وأماكن مجهولة وأخرى مجردة، تقترح تنوعاً في الإشكاليات والأساليب والمشاعر، فيما تتجاوز لبنان، بطروحات أكثر تعقيداً وخصوصية. تحاكي الفوتوغرافيا والفيديو والنحت والرسم والتجهيز والشعر نتفاً من صور ضبابية ليبدو «أرض القلب» قائماً على الفقدان، وعلى ضياع هوية واضحة للبلد. في المعرض، يستقبلنا عمل أنابيل ضو (1967) «هذه الندبة لن تشفى». تصنع الفنانة اللبنانية الأميركية ما يشبه خريطة للقلب من خلال وسائط مختلفة كضمادات الجراح على الورق.
النتيجة البصرية هي قلب مخبأ، تتخذ شرايينه شكل شوارع كتبت أسماؤها بالأحمر مع عبارات سريعة ومختزلة بالإنكليزية «ابق بعيداً عن طريقي، ابق قليلاً، ابق هنا، ابق الليل، ابق كما انت، ابق يافعاً، ابق قوياً.... ابق بين ذراعي، فقط ابق، ارحل الآن». تنقل ضو علاقة متوترة ومترددة بين الرحيل أو البقاء، والتقرب والبعد. عباراتها الفائضة عاطفياً ــ أكانت موجهة إلى حبيب، أو إلى وطن ــ لا تسعفها في الحسم. يبدو «180 ثانية من الصور الدائمة» لجوانا حاجي توما وخليل جريج كلوحة بيضاء فارغة محيت ألوانها، فيما لا تزال تتراءى توشيحات خفيفة منها.


قصيدة «هناك» لإتيل
عدنان في صالة العرض تقابلها غرفة عمل الفنانة التي تكاد توازي وطناً آخر

موزاييك يضمّ حوالي 4500 صورة صغيرة. في عام 1985، فُقد أحد أقارب جريج في الحرب قبل أن يظهر فيلم قصير كان قد صوّره. تولى الفنانان مهمة تظهير الفيلم، وبعد عمل طويل على لون اللقطات التي بدت بيضاء في البداية، ظهرت بعض الوجوه غير المكتملة. عمل الثنائي محاولة لإنقاذ لحظات الشريط وأطيافها التي تعادل ذكريات آلاف المفقودين والمخطوفين اللبنانيين في الحرب الأهلية، ترفض أن تختفي. الحرب تظلل Fire/Cast/Draw لريان تابت. في عمله الحائز «جائزة أبراج كابيتال للفنون» تفترش حوالى 5 آلاف رصاصة مصبوبة الأرض بشكل دائري، تعلوها ورقة كتب عليها «نحن قوم مصاب في العين/ ووجه من أصابك يظهر في الرصاص/ حين يسكب في الماء/ فلنذب كل ذخيرتنا ونلقها في الماء/ علّنا نرى فيها وجه كل الأعداء». بناء على هذه الجملة، يستعير تابت وظيفة أخرى للرصاص غير القتل.
ينطلق من تقليد اجتماعي هو صب الرصاص في المياه لكشف وجه الشر، هكذا يذيب الرصاصات في عملية تكرارية تدعو إلى كشف وجه العدو الحقيقي. ضمن مشروعه الكبير في العمل على العمارة وعلاقتها بالأفراد، أنجز مروان رشماوي (1964) مجسمه «طيف ــ عمارة يعقوبيان».
العمارة المستطيلة المصنعة من الزّجاج والجبس والقضبان الخشبيّة والألمنيوم ما هي إلا مجسم عمارة «يعقوبيان» حيث كان يسكن الفنان في بيروت، إلى حين إخلائها خلال حرب تموز 2006. ملامح المبنى كاللافتات وأسماء المحلات، والتفاصيل العامة والموحدة كالشبابيك، لم تستطع حجب الفراغ الصارخ للمبنى مستدعيةً وجوه سكانه الغائبة في استعارة للتحولات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تترك شعوراً متوتراً وغير مستقر تجاه الأمكنة. تتداخل الأحداث التاريخية مع الذاكرة الشخصية في فيديو «مياه إقليمية» (10 دقائق) لنديم أصفر. اختار الفنان اللبناني المقيم بين بيروت وباريس البحر كرمزية لعلاقته بلبنان.
تغطي مشاهد المياه الإقليمية اللبنانية الشاشة منذ البداية. نستمع إلى رسالة صوتية يوجهها إلى والديه باللغة الفرنسية، مفرغاً انطباعاته وأحاسيسه المتناقضة خلال رحلاته طفلاً من وطنه والعودة إليه عبر البحر، الذي كان بوابة خروج من وعبور نحو هذه الأرض. البحر حاضر أيضاً في فيديو «أطفال الأوزاعي ــ ضد نرسيس» (16 د) لميراي قصار.
تصوّر الأخيرة تداخل المياه والتشكلات الخارجية والتركيبات البصرية للبحر والصخر على شاطئ الأوزاعي. تصنع هذه الأمزجة المتداخلة لوحات متحركة، فيما تخترق المشهد أجساد أطفال يركضون، لا نكاد نميزها عن الخلفية. يحاكي الشريط أسطورة نرسيس الذي لم يستطع أن يرفع عينيه عن وجهه المنعكس في البحيرة قبل أن تقتله، فيما تبددها حركة الأطفال البدائية المتماهية مع حركة البحر.
تروح بعض الأعمال نحو أمكنة أكثر حميمية كما في صورة من سلسلة «آنا، بيرت، إيمانويل، هوغيت، انغريد، اريس، جوليا، لويز، مارغوت، ماريان ويارا» (2009) لجيلبير الحاج. من خلال صورة مقربة لوسادة كبيرة أمام خلفية زيتية، يسائل الفوتوغرافي اللبناني مفهوم الحميمية والألفة، كركيزة اجتماعية معاصرة أساسية، لكن من منظور الأشياء، حيث الوسادة رمزية لما يخترق خصوصيتنا وأفعالنا الحميمية. تدعونا لميا جريج إلى داخل غرفة نوم في تجهيز الفيديو والفوتوغراف «نوم وعناق» (2004) انطلاقاً من النوم كحالة من الانفصال والعزلة. نشاهد على شاشة سوداء صغيرة مشاهد مكررة لوضعيات نوم تعكس حركة الانسجام والتنافر لدى الثنائي على السرير.
عن بعد، سيبدو تجهيز منى حاطوم «غير قابل للاختراق» (2009) كشرائط رقيقة متدلية من السقف. استوحت الفنانة الفلسطينية عملها من تجهيز «قابل للاختراق» للفنان الفينزويلي خيسوس رفاييل سوتو لتتلاعب برؤية المتفرج وإدراكه. سيصطدم نظرنا بأسلاك شائكة لدى الاقتراب مما كان يبدو قبل قليل أليفاً. الوهم البصري يطالعنا أيضاً في عمل «ست الستات» لنجلا الزين، حيث قطعة الفرو الملقاة على الكرسي، كما تبدو، تظهر عيدان أسنان شائكة عن قرب. هناك توجهات أكثر حيادية في المعرض كـ Landscape الذي تشتغل فيه فاديا حداد على المساحات الطبيعية في لبنان، فتمنحنا لوحاتها التجريدية انطباعاً بالالتباس المكاني وعناصره بين الموج أو الرياح، والجبل والبحر. وفي لوحته الداكنة، يرسم نبيل نحاس ما يشبه بورتريهاً أيقونياً للأشجار. هناك أيضاً منحوتة «ملكة العالم» لسيمون فتال، وأخرى لرانيا سراقبي، وتجهير «ديالوغ تاريخي» لهبة كلش، فيما تتصدر صالة العرض قصيدة «هناك» لإتيل عدنان، تقابلها غرفة عمل الفنانة التي تكاد توازي وطناً آخر.

Heartland: حتى 29 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال ــ بيروت). ــ للاستعلام: 01/962000