يعتقد البائع في الـ«فرجين ميغاستور» أنّ فيلم «البرتقالة الآليّة» A Clockwork Orange (١٩٧١) ممنوع في لبنان لأنّه «عنيف». فعلاً، لا وجود لهذا الفيلم على الرفوف. أصدر الأمن العام قراراً في 13 أيّار (مايو) 1999 قضى بمنعه. يصعب تصديق الخبر، لكن لا جدوى من الإنكار. الفيلم ممنوع، لأنّ ميريام كارلين إحدى ممثلاته مدرجة على «اللائحة السوداء». الممثلة البريطانية التي توفيت العام الفائت، ولدت في لندن من عائلة يهوديّة أوثوذكسيّة، وماتت فيها أيضاً. لم يكن دورها في الفيلم حاسماً، كانت «السيدة القطة» فقط. لكنّ هذه اللائحة المعدة بعناية «منقطعة النظير» من مكتب مقاطعة اسرائيل، قد طاولتها.


المفارقة أنّه للحصول على هذه اللائحة، يجب مراجعة وزارة الاقتصاد! بمعنى آخر، الأمن العام سلطة تنفيذيّة. وبكلمات أكثر دقة، هنا، السينما مرتبطة بوزارة الاقتصاد! علاقة سرياليّة، لا يفسرها إلا إصرار المسؤولين في الأمن العام على الدفاع عن «تطبيقهم القوانين». لا أسباب أخرى لدى المسؤولين في الأمن العام لتوضيح قرارهم بمنع بيع الفيلم (على قرصٍ مدمج) سوى كارلين. أكثر من ذلك، لا يكترث المسؤول في دائرة الاجازات إن كان الفيلم هو الأكثر ارتباطاً بالسينمائي الأميركي ستانلي كيوبريك. إنّه «ينفذ القوانين» ويكفيه ذلك.
ستانلي كيوبريك لا يحتاج إلى تعريف. لكن قد تكون ميريام كارلين كذلك. وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الـ«تلغراف» البريطانيّة في منتصف العام الفائت بعد رحيل الممثلة الانكليزيّة، فإن أقارب كارلين قضوا في غرف الغاز في «أوشفيتز». لقد ولدت كارلين في 1925، لعائلة يهوديّة أرثوذكسيّة، وعاصرت جرائم النازيّة، بل لامستها شخصيّاً. لاحقاً، انتمت إلى حزب العمال البريطاني، ويعطي تقرير الـ«تلغراف» انطباعاً عاماً بأنّها كانت تميل إلى الاعتدال. حسناً، ربما يكون الاعتدال في رأي الصحيفة البريطانيّة مختلفاً عن تقويم اللبنانيين. بيد أن ذلك بأسره لا علاقة له بـ«كلوك وورك أورانج». في الفيلم، لاعبت ميريام القطط لا أكثر. كانت لديها حساسيّة على القطط، وتمرّنت على التخلص منها، لأنّ كيوبريك لم يكن مخرجاً عاديّاً. هل يجوز أن يمنع الشريط الذي يعدّ من كلاسيكيّات الفنّ السابع لأنّ ممثلة من ممثلاته، بدورٍ شبه ثانوي، تنحدر من عائلة يهوديّة؟ لو صحّ ذلك، فإنه سيكون عنصريّاً ومشيناً، لا يسمن ولا يغني من تطبيع. للمناسبة، كان اليهود الأرثوذكسيون، تحديداً، من أشد المعارضين للحركة الصهيونيّة في بداياتها، قبل ظهور أحزاب متطرفة في صفوفهم، ذابت في نشوة الاحتلال، وألقت على الفلسطينيين ثقل ما ألقي على أقارب ميريام كارلين في «أوشفيتز». غير أن هذا النقاش لا يعني شيئاً. إنّها على اللائحة السوداء ونقطة على السطر. الأمن العام قادر على التنصل برشاقة من منع العرض: «غيّروا القوانين، فنغيّر قرارتنا، نحن جهة تنفيذيّة».
مع ذلك، ينبغي الاعتراف بأنّ الرقابة عدميّة. هذا ليس اتهاماً، أو تشهيراً بالمؤسسة الملقى على عاتقها قرارات المنع «البطوليّة». لكن عندما يكون القرص المدمج متاحاً للجميع عبر القرصنة، في حين يكون ممنوعاً عن الجميع أيضاً، فلا يليق وصف آخر لقرارات الحجب إلا العدم. الفيلم الذي شاهدناه جميعاً بفضل «نعمة القرصنة»، متاح بألفي ليرة لبنانيّة في أقرب محل DVD، حاله حال عشرات الأقراص الممنوعة، لأسباب قروسطيّة. أحد الأفلام («مغامرات بريسكيلا ملكة الصحراء»، 1994) منع لأنّه «يسهم في تقبّل الشاذين والمتحولين جنسيّاً» حسب الأمن العام. لا يكفي وصف المثليين بالشاذين، بل منع الفيلم لأنّه «يسهم في تقبلهم». وهذه «كارثة» وطنيّة كبرى، إذ يجب أن تبقى هذه الفئة ضحية مسبقة لفئة أخرى لا تجد مكاناً آخر تفرغ فيه عنصريتها. وفيما تعج الشوارع بمحاربي العشائر «الأشاوس» في الضواحي، ويتقاذف اللبنانيون الموت شمالاً، يمنع Irreversible للإيطاليّة مونيكا بللوتشي والفرنسي فانسان كاسيل، لأنه «مخلّ بالأخلاق العامة». طبعاً، شاهده الجميع، كما شاهد شريط Déjà vu لدينزل واشنطن، فهذا الأخير صوِّر أحد مشاهده في «اسرائيل». وبطبيعة الحال، لم يكن أحد لينتبه إلى ذلك لولا الرقيب. وإن كان الجدل هنا يصبّ في خانة رفض التطبيع المجاني، فإنّ «معلّمة البيانو» (2001)، خارج هذا الإطار تماماً. لا علاقة له بسجال مماثل. قراءة فيلم المعلّم النمساوي مايكل هانيكي بعد أكثر من عشر سنوات على صدوره، وعرضه على طاولة النقد، لن تكون مجدية. مع ذلك، فهو ممنوع في لبنان لأنّه مصنّف في خانة الخطر.
تطول اللائحة لتشمل أكثر من ثلاثين شريطاً. نعود إلى الموظف العادي في الـ«فرجين» الذي يسخر من قرارات المنع من جهة، لكنّه يبدو سعيداً لأنّ أعمال القرصنة تراجعت أخيراً: فـ«سوريا هي مصدر معظم الأفلام المقرصنة. وبعد الثورة، تغيّرت الأمور». ينصحنا ألا ننتظر تطوّر الرقيب: «انتظار سوريا أسهل» وكما تعرفون، الدنيا صغيرة!