نشرت صحيفة «الأخبار» في عددها الصادر يوم الخميس 26 تموز (يوليو) 2012 ثلاث مواد متعلقة بـ«فصل ثلاثة مخرجين معارضين» من «المؤسسة العامة للسينما». وأحبّ أن أوضح هنا بعض النقاط المتعلقة بهذا الموضوع.

أولاً: القرار الصادر عن المؤسسة العامة للسينما الذي ينص على اعتبار المخرجين الثلاثة: أسامة محمد، نضال الدبس، نضال حسن، بحكم المستقيلين، هو إجراء إداري بحت ولن يكون له أي تأثير على العلاقة الإبداعية التي تربط المؤسسة بهؤلاء المخرجين، أي أنّه إذا تقدم أحد هؤلاء المخرجين الثلاثة بمشروع سينمائي جيد، فإنّ المؤسسة سترحب بتحقيقه.

ثانياً: القرار المذكور آنفاً تم اتخاذه تنفيذاً للأنظمة والقوانين المتعلقة بالعاملين في الدولة. صحيح أنّ الفنانين مستثنون من الدوام اليومي، ولكنهم يخضعون في كل ما عدا ذلك إلى قانون العاملين، مثلهم في ذلك مثل باقي الموظفين، أي عندما يسافرون خارج البلاد، عليهم أن يطلبوا إذناً وإجازة رسميين من إداراتهم، وينبغي أن يتركوا عناوينهم كي تستطيع الإدارة الاتصال بهم وتكليفهم بهذا العمل أو ذاك. في حالة مخرجينا الثلاثة، فهم متغيبون ليس عن المؤسسة فحسب وإنما عن سوريا كلها، ومن دون إذن أو إجازة أو عنوان إقامة معروف ولمدة تزيد على سنة ميلادية كاملة. لا أعتقد أنّ ثمة رب عمل، في الشرق أو الغرب، وفي القطاعات الاقتصادية المعروفة كلها: العامة والخاصة والمشتركة، يقبل أن يعطي رواتب لموظف غائب عن العمل والبلاد، ولا يعرف أين هو بالضبط، لمدة شهر واحد وليس لعام.
ثالثاً: لا صحة للرأي القائل بعدم قانونية القرار المذكور، فهو قرار قانوني مئة في المئة كما سلف وأوضحنا، أما ما هو غير قانوني فهو السكوت عن وضع المخرجين الثلاثة، وغيابهم الطويل وغير المبرر، واستمرارهم في تقاضي رواتبهم على رغم هذا الوضع الغريب والناشز. لقد اخترنا صيغة «اعتبارهم بحكم المستقيلين» لأنّها أهون إجراءات الإعفاء من الخدمة التي ينص عليها القانون وأخفها. ثمة إجراءات أقسى بكثير مثل: التسريح التأديبي والطرد. فحسب القانون: من يعتبر بحكم المستقيل يمكنه العودة إلى عمله خلال ستين يوماً من صدور القرار، ولكن ينبغي لهذا المستقيل أن يمثل أمام الإدارة ويضع نفسه تحت تصرفها. ولكن ليس هذا ما يريدونه، وإنما يريدون اتخاذ هذا القرار ذريعة للتشهير بالبلد والدولة. فالراتب السوري يقيناً لا يكفيهم في دولة حيث الحياة باهظة التكاليف مثل فرنسا ومصر، وأغلب الظن أن لديهم مصادر دخل أخرى يُسألون هم عنها.
رابعاً: لا صحة للرأي القائل بأنّ أفكار الشباب «الثورية» ومعارضتهم لنظام الحكم في سوريا هي السبب الحقيقي الكامن وراء فصلهم من المؤسسة. عندما أنجز أسامة محمد فيلميه «نجوم النهار» و«صندوق الدنيا» لم يكن موالياً، وإنما كان يصرح جهاراً نهاراً وعلى الدوام بأنّه معارض لحزب «البعث» العربي الاشتراكي على الرغم من أنه المخرج السينمائي الوحيد في سوريا الذي أوفدته القيادة القطرية لدراسة الإخراج. علاوة على أنّه قد أنجز فيلميه كما يريد ويشتهي. ولم تكن الإدارات المتعاقبة تلقى بالاً للانتماء الحزبي لهذا المخرج أو ذاك، ولا لأفكاره السياسية، حتى ولا لجنسيته، بدليل أنّها حققت مشاريع لسينمائيين غير سوريين مثل قيس الزبيدي، وتوفيق صالح وبرهان علوية وغيرهم. باختصار، كان همّ المؤسسة بناء سينما وطنية جادة، وهي لهذا كانت ترحب بأي مساهم موهوب في هذا التطلع.
مثلاً أسامة محمد وفي كل تصريحاته الأخيرة يهاجمني شخصياً. لكن اقرأوا ما كتبه ذات يوم في جريدة «الحياة» وأرسله لي بخط يده كي أحتفظ به للذكرى: «في عملي على «صندوق الدنيا»، كان الناقد السينمائي محمد الأحمد «المدير العام لمؤسسة السينما» صارماً في تطبيق القوانين المالية لصناعة الفيلم من دون محاباة ولا مراعاة للمعرفة والصداقة. أما في ما يتعلق بحريتي الفكرية والفنية، فلقد كان منفتحاً وديموقراطياً وحامياً لهذه الحرية بشكل حضاري». (مرفق بالمقال صورة عن النص المذكور بخط أسامة محمد ــ متوافرة على الموقع). أين الصدق وأين الكذب؟ هنا أم هناك؟
أيضاً لم يكن أسامة يكلّ من القول بضرورة مكافحة المحسوبيات والواسطات وتفضيل ذوي القربى في عمل المؤسسة، ولكن عندما شرع في تنفيذ «صندوق الدنيا»... حاولوا أن تلقوا نظرة على تترات هذا الفيلم وتحصوا أشقاء وشقيقات وأبناء أشقاء وشقيقات أسامة محمد الواردة أسماؤهم فيها. خذوا معكم آلة حاسبة، فأغلب الظن أنكم ستحتاجونها. مرة أخرى، أين الصدق وأين الكذب؟






أقول للأستاذ أسامة محمد الذي يتهمنا بالكذب مستنداً إلى عبارات رخيصة تشبهه: إنك شيخ الكذابين والمنافقين والناكرين للجميل. أقول له: إنك عديم الأصالة وشديد الإنسلاخ عن ضميرك ووطنك. عيب عليك تشويه الوقائع وتجوالك الرخيص في المهرجانات السينمائية تستجدي عطفاً لا تستحقه، وكلي ثقة أنّ الدولة الأوروبية التي تقيم فيها هذه الآونة، قد تسدد لك ثمن الإقامة والطعام والسيجار وفنجان القهوة في مقاهي الأرصفة المنتشرة بكثرة فيها، غير أن هذه الدولة لن تقدم لك علبة خام واحدة قد لا تكفي لتصوير مشهد سينمائي واحد.
يؤسفني أن أضطر للخوض في هذا النوع من الأحاديث والمناظرات، فهي تسبب السوء لمزاجي ومشاعري، ولكن كما يقال، من يقرع الباب، ينبغي أن يسمع الجواب. ومع ذلك فإنني أقول: «المؤسسة العامة للسينما» ليست سوى نسخة مصغرة عن بلدنا الحبيب سوريا. مثلما أنّ سوريا مفتوحة الأبواب لأبنائها المخلصين لها الذين يريدون إعمارها كي تكون أقوى وأكبر وأجمل، فإن «المؤسسة العامة السورية للسينما» مفتوحة الأبواب لكل السينمائيين السوريين، سواء كانوا من العاملين في المؤسسة أم من خارجها الذين يريدون النهوض بسينمانا الوطنية كي تكون أعمق وأرق وأروع.
* المدير العام لـ«المؤسسة العامة للسينما» محمد الأحمد.




في انتظار... غودو

بعد الوثيقة التي أرسلها لنا محمد الأحمد ونسبها إلى أسامة محمد، وكانت عبارة عن رسالة تحوي مديحاً أخوياً بحق الأحمد بسبب تعاونه أثناء تصوير فيلم أسامة الأخير «صندوق الدنيا»، حاولت «الأخبار» التأكد من صحة ما جاء في الرسالة، لكونها غير مرفقة بتوقيع شخصي من السينمائي السوري. أرسلنا الوثيقة إلى أسامة محمد قبل أسابيع عدة، فقال عنها في ذلك الوقت: «لا أذكر إن كنت قد كتبت مثل هذا الكلام. ربما كتبته ممازحاً ليس أكثر». وقد طلب مدة يومين لانشغاله ببعض الأمور. وحتى لحظة نشر هذه الكلمات، لم يقدم أسامة محمد رده الذي انتظرته «الأخبار» طويلاً، رغبةً منها في التأكد من صدقية كل ما يقدم لها من وثائق وصور خاصة.