لحسن الحظ أن لدينا بديلاً للسينما التجارية. مساحة تسمح لنا بالتجريب في الخيال والبحث في الواقع. إنّها السينما المستقلة، أينما وجدت، هي النافذة التي تمكّن المخرج من خلق رؤيته إلى الواقع، وتمكّننا من الاطلاع على هذا النتاج بعيداً عن سلطة المال المؤسساتي. قد يكون هناك اختلاف على تعريف «الاستقلالية» في السينما من بلد إلى آخر، لكن يمكن اعتبارها السعي إلى الحيز المستقل مالياً عن كل ما هو رسمي ومؤسساتي. في الصين، تعتبر الحركة السينمائية المستقلة من الأهم على الساحة العالمية، بما تقدمه من نظرة إلى الحياة اليومية والواقع الاجتماعي للعملاق الاقتصادي. وفي ظل الرقابة المسبقة التي تمارسها المؤسسة الرسمية من خلال الأفلام التجارية، تبدو الحاجة إلى سينما تقدم نظرة مغايرة مهمّة بالنسبة إلى محبّي الفن السابع ومتابعي الصين كقوة عالمية متسارعة النمو، سواء بالأفلام الوثائقية أو الروائية، خصوصاً مع قدوم الجيل السادس في التسعينيات وحركة الأفلام الوثائقية المستقلة والعمل خارج وصاية الدولة مع مخرجين أمثال وانغ بينجغ وزان يوانغ...


بطبيعة الحال، لم تسلم الحركات السينمائية المستقلة من الرقابة. وكما يجري عادة منذ الثورة الثقافية، تخضع الأفلام التجارية قبل عرضها لموافقة «الهيئة الرسمية للراديو والتلفزيون والسينما» التي تسلّمت المهمة من وزارة الثقافة في الثمانينيات. تتعرّض الأفلام المستقلة للحصة الأكبر من المنع، لما تتناوله من قضايا سياسية واجتماعية، والإضاءة على شخصيات مهمشة في الأرياف والمصانع. آخر هذه الفصول إغلاق النسخة التاسعة من «مهرجان بكين للسينما المستقلة»، أحد المهرجانات الصينية المستقلة المهمة التي تقدم النتاج المحلي والدولي من أفلام وثائقية وروائية وتجريبية. لم تكن تلك المرة الأولى التي يغلق فيها المهرجان. هذه السنة، جاء الاحتجاج الرسمي على عرض «بيض وحجر» لمخرجته هوانغ جي في افتتاح المهرجان. الفيلم الذي حاز أخيراً جائزة «النمر» في روتردام، يحكي قصة مراهقة تعيش في أرياف مقاطعة هونان مع أقربائها الذين لا يرغبون بها كما لم يرغب بها والداها. الفيلم المستقل الذي صور بممثلين غير محترفين، يبحث في الذكورية والتحرش الجنسي، وهو ما كان كافياً لمنعه. كان منظمو المهرجان قد تلقوا تهديداً بإلغاء المهرجان بسبب الفيلم، لكنّهم تشبّثوا بخيارهم. وخلال عرض الشريط، قُطع التيار الكهربائي. وكان بعض الأشخاص قد حاولوا منع الناس من الدخول، قبل أن يُطلب لاحقاً من الحضور المغادرة. وبحسب صحيفة «تشاينا تايمز»، فإن المنظمين حاولوا هذه السنة استباق الأمور عبر التحاور مع السلطة لوضع تفاهم. وقد استخدم هؤلاء ورقة أنّ هذه الأفلام أعمال فنية وليست تجارية، وبالتالي لا ينبغي أن تخضع لموافقة مسبقة من الهيئة قبل عرضها على العامة. لكنّ ذلك لم يجد آذاناً صاغية.