تونس | منذ الأسبوع الماضي، يتواصل اعتصام العاملين في «دار الصباح» احتجاجاً على تعيين المدير العام الجديد لطفي التواتي وتدخّله في خط تحرير صحف الدار الثلاث بعدما فتحت «ثورة ١٤ يناير» أبواب الحرية للصحافة التونسية وخلّصتها من هيمنة الدولة والحزب. هذا الاعتصام تقوده نقابة «دار الصباح» بدعم من «النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» وغيرها من النقابات دفاعاً عن استقلالية المؤسسة التي تسعى الحكومة الى تدجينها من خلال تعيين مدير عام من دون استشارة الهياكل المهنية الممثلة للعاملين في المؤسسة.


وكانت نقابة «دار الصباح» قد أصدرت في أحد أعداد جريدة «الصباح» لائحة أوردت فيها مطالبها ودعت الحكومة إلى رفع يدها عن الخط التحريري للصحف التي تصدر عن المؤسسة. لكن المدير العام تدخّل في ساعة متأخرة من الليل بعد طبع ثلاثة عشرة ألف نسخة من الصحيفة، وأعاد طبع نسخة جديدة بعد حذف اللائحة اثر استنجاده بفرقة امنية. وهو ما اعتبرته النقابة تدخلاً غير مسبوق في خط التحرير الى جانب الخسارة المالية التي لحقت بالمؤسسة. وقد أعلن صحافيون من «دار الصباح» أنّهم سيقاضون المدير العام الجديد بسبب هدره المال العام.
جمال بوريقة رئيس تحرير «الصباح» أعرق الصحف التونسية (صدرت عام١٩٥١) الذي أقاله المدير الجديد ومنعه من الكتابة، قال إنّ النقابة تعترض على تعيين لطفي التواتي مديراً عاماً لأنّه من وجوه العهد السابق ولعب دوراً في الانقلاب على المكتب الشرعي للنقابة الوطنية للصحافيين عام ٢٠٠٩ كما انتمى الى وزارة الداخلية. ولهذا، فلا مبرر لتعيينه الا محاولة السيطرة على المؤسسة التي سعى زين العابدين بن علي الى تدجينها عندما اقتناها صهره صخر الماطري قبل أن تصادرها الدولة أخيراً مع جملة الأملاك المصادرة للعائلات القريبة من بن علي. وتساءل عن حقيقة الشعار الذي ترفعه الحكومة بالقول إنّها تعمل على «التطهير»!
ويصر العاملون في «دار الصباح» على مواصلة اعتصامهم مدعومين بالعديد من الوجوه السياسية والإعلامية وأحزاب المعارضة. وقد تحولت معركة «دار الصباح» الى معركة رأي عام، إذ بدا واضحاً سعي الحكومة الى إخضاع الاعلام الرسمي عبر التعيينات الجديدة، بما يؤهلها لتوجيهه في المعركة الانتخابية التي تسعى إلى ربحها بأغلبية مريحة. ولئن استطاعت الحكومة التي تسيطر عليها حركة «النهضة» السيطرة على الادارة وتعيين الموالين للحركة في أهم المناصب الادارية في البلاد، فقد فشلت حتى الآن في السيطرة على الاعلام الذي ما زال يقاوم ثقافة الهيمنة والتوجيه التي أدانتها منظمتا «مراسلون بلا حدود» و«هيومن رايتس ووتش». وكانت الأخيرتان قد اعتبرتا أنّ تونس تعود تدريجاً الى التضييق على الاعلام الذي بلغ ذروته في عهد بن علي.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الحكومة الى التطهير والقطع مع العهد السابق، ها هي تعيّن الوجوه التي كانت معروفة بدفاعها الشرس عن النظام السابق، في أهم المناصب الإعلامية مثل مؤسسة «لابراس» ومؤسسة التلفزة الوطنية، ووكالة «تونس افريقيا للانباء»، ومؤسسة الاذاعة التونسية، و«دار الصباح». كما تتلكأ في تأسيس هيئة مستقلة للإعلام. الواضح أنّ المعركة بين الإعلاميين التونسيين والحكومة التي تقودها «النهضة» ستطول، وليست معركة «دار الصباح» الا أحد فصولها فقط.