تحيي «ريد هوت تشيلي بيبرز» الليلة حفلة استثنائيّة في بيروت, هي فاتحة جولتها في المنطقة. رهان جريء لناجي باز الذي شارك إلى جانب آخرين، في رفع لبنان إلى مصافّ المحطّات المميّزة للموسيقى العالميّة بمختلف رموزها واتجاهاتها. إلى جانب الإنجاز الثقافي، يسهم حدث بهذه الضخامة في استعادة بيروت لموقعها الريادي، ولقدرتها على الاستقطاب والمنافسة.


وأوّل المنافسين بطبيعة الحال، في هذا القطاع تحديداً، هو إسرائيل. الكيان الغاصب ينعم برصيد إيجابي كبير في الغرب، بفعل دعاية منهجيّة متواصلة تبيع «أرض الميعاد» كوجهة سياحيّة نموذجيّة، وتتاجر بالمحرقة وأهوالها، وتخضع نظام الأبارتهايد لعمليّات تجميل متطوّرة، فإذا به «واحة الحريّة والحضارة في الشرق الهمجي». لنعد ترتيب بعض الحقائق إذاً. كل حدث فنّي عالمي في بيروت، انتصار على إسرائيل، لكن لا يسعنا أن نقول ذلك عن حفلة Red Hot Chili Peppers. ففرقة الروك الأميركيّة ستكون بعد أربعة أيّام في تل أبيب التي توفّر لها كثافة مشاهدة لا يقدّمها العالم العربي مجتمعاً. كل فنّان عالمي يذهب إلى إسرائيل، شاء أو أبى، هو «حليف موضوعي» يدعم، ولو بشكل غير مباشر، ممارساتها الإجراميّة المتواصلة منذ ٦٤ عاماً. وهذا هو وضع RHCP التي لم تستجب لنداءات حاولت أن تثنيها عن الرقص على قبور الشعب الفلسطيني. لكن كيف نخاطب أعضاء الفرقة الأسطوريّة؟ تلك هي المسألة. فالفرق العالميّة حرّة في خياراتها، يسعنا أن نلومها، أن نفتّح عينيها على الحقيقة، أن نمارس عليها ضغوطاً سلميّة، أن نقاطعها كحدّ أقصى، لا أن نجرّمها وندينها. هذا ما لجأت إليه حملات المقاطعة منذ البداية، رغم الاتهامات القمعيّة الجائرة التي وجّهت إليها من فئة محددة ومحصورة، صاحبة مصالح نتمنّى أن تكون اقتصاديّة فقط.
الفرق العالميّة التي ستدعى إلى لبنان في الأيّام المقبلة، معرّضة للإغراءات نفسها (ماديّة ومعنويّة). ولا بدّ من تحرّك مدني واسع، يتبنّى سياسة هادئة وفعّالة وديموقراطيّة في التعامل مع هذا الواقع، بعيداً عن العشوائيّة والتكفير المنهجي، بدءاً من التمييز بين حالة وأخرى: من لارا فابيان الصهيونيّة الهوى… إلى فرقة «غوريلاز» التي اختارت المقاطعة. إذا قررتم حضور الحفلة رغم كل شيء، خذوا معكم أعلام لبنان وفلسطين، ولوّحوا بها طوال السهرة. كلّما كانت كثيرة، وصلت الرسالة أقوى إلى أنثوني كيديز ورفاقه. لديهم الوقت كي يفحصوا ضميرهم مرّة أخيرة.