في روايته السادسة «بغداد… مالبورو» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يعيد نجم والي كتابة أجزاء لا تزال ساخنة من تاريخ العراق المعاصر. يستثمر الروائي العراقي المقيم في برلين تجربته الشخصية وتجربة أقرانه الذين عاشوا الحقبة الصدّامية بحروبها وويلاتها، كي يوثِّق سنوات الاحتلال الأميركي، بينما يتحرك السرد بين الماضي والحاضر، مستدعياً الحرب مع إيران، وغزو الكويت، إضافة إلى سنوات الحصار الدولي قبل سقوط بغداد سنة 3003. التاريخ الرسمي موجود، ولكن الرواية تعتني بالتفاصيل والوقائع الصغيرة التي تصوغ مصائر البشر داخل هذا التاريخ. الراوي الذي يظل بلا اسم هو الموكّل بسرد كل شيء. الشخصيات هي كائنات جاهزة لخدمة السياقات المخطَّط لها أو التي قد تنشأ فجأة.


الراوي نفسه جاهزٌ لهذه المهمة التي يتحول فيها إلى مجرد قناعٍ للمؤلف الكلي القدرة. تنقلب حياة الراوي بمجيء جندي أميركي سابق اسمه دانييل بروكس إلى بغداد كي يسلمه دفتراً يخص صديقه الشاعر سلمان ماضي. ظهور بروكس الذي كان شاهداً على دفن عناصر كتيبة عراقية وهم أحياء أثناء تحرير الكويت، يفتح الرواية وذاكرة الراوي على حكايات مؤلمة ومتشابكة. صداقة الراوي مع سلمان في جبهات عدة، وانتهاء الأول بالعمل في المقاولات بعد الحرب، وانزواء الثاني في غرفة بائسة، متخلياً عن زوجته نخيل وابنه. الحرب تصنع جبهات مقابلة. عنوان الرواية هو كناية عن سجائر «بغداد» وسجائر «مالبورو» التي كان سلمان يتبادلها مع جندي أميركي آخر هو دافيد باربييرو. من هناك، يسرد الراوي حكاية اللويتنانت بروكس الذي يتعرض لمعاملة قاسية من رئيسه بسبب لونه الأسود، ويتزوج لاحقاً التونسية كنزة، ويعتنق الإسلام. يحتفظ بالدفتر الذي يسميه الراوي «دفتر أحلام الجنود» سنواتٍ طويلة، إلى أن يجد أن الوقت حان لتسليمه حسب العنوان البغدادي المكتوب عليه. رحلة تنتهي بخطف بروكس من قبل جماعة جهادية، وهرب الراوي من خاطفيه الذين يشترطون عليه أن يقوم بمهمة قتل الرهينة بنفسه. بعد أكثر من سنتين من التخفّي، وموت سلمان، ومقتل زوجة الرواي وأهلها في قصف أميركي، يكتشف الراوي أن بروكس قد تمت تصفيته بعد هربه بفترة قصيرة، وتصبح زوجة سلمان شريكة مرغوبة للبدء بحياة جديدة.
لا تختزل الحوادث السابقة الرواية كلها بالطبع. إنها الهيكل العظمي لسردٍ روائي أراده المؤلف أن يكون مكثفاً ومكتظاً بالتواريخ والوقائع والمعلومات الضرورية وغير الضرورية. يؤمّن صاحب «تل اللحم» أرضية سياسية واجتماعية ومعلوماتية صلبة لحركة شخصياته، ولكن الإفراط في توفير ذلك يتحول أحياناً إلى عبءٍ على القارئ الذي يفضّل أن يترك له المؤلف فجواتٍ وشقوقاً لخياله الشخصي، أو أن يجعل شخصياته نفسها تلتقط أنفاسها وتتأمل مصائرها العبثية والتراجيدية، بدلاً من تحميلها بهذه المصائر وفق إدارةٍ سردية مشددة. هكذا، تتأرجح الرواية بين جاذبية أحداثها وشخصياتها، وبين سيطرة المؤلف وإصراره على مطاردة أي تفصيل وإشباعه بالمعلومات أو الاقتباسات. قد نغفر له أن يُكثر سلمان ماضي من استحضار مقاطع وعباراتٍ شعرية في أحاديثه القليلة، إذْ تتكرر على لسانه عبارة «أيها الجلاد، اذهبْ إلى قريتك الصغيرة، لقد طردناك وألغينا هذه الوظيفة» للشاعر الراحل سركون بولص (من دون تسميته!)، ويستشهد بأبيات لوالت ويتمان. مزاج شعري كهذا لا يبدو غريباً على شخصية سلمان، ولكن حدوث ذلك في مواضع أخرى من الرواية يبدو فضفاضاً واستعراضياً ومجانياً. الواقع أن كل هذا هيّنٌ ومقبول مقارنة بإقحام المؤلف لنفسه داخل نسيج الرواية. يتخلى صاحب «صورة يوسف» عن مهمة الراوي، ولكنه لا يغيّب نفسه عن السياقات التي سيتكفل بها الراوي – القناع. في البداية، يتحدث الراوي مع صديقه سلمان عن كاتب اسمه هارون والي. يظن القارئ أنه اسم وهمي عابر، وأن الكنية المطابقة لاسم المؤلف هي نوع من الاستظراف المقبول، لكن سرعان ما تتلقى هذه الحادثة تعزيزاتٍ متكررة تجعلها نوعاً من الهوس بالذات. هكذا، يصبح عادياً أن يدسّ عناوين رواياته السابقة في بعض الفصول، وأن يُقال إن هذه الروايات تُباع مهرّبة ومنسوخة بالفوتو كوبي في بغداد، بينما تستنجد به بعض شخصيات الرواية كي يأتي ويكتب مآسيها بنبرته «الكافكاوية». أليس هو «ملك الحكايات» كما يقول الراوي في موضع آخر؟