بعد معرض الإماراتي حسن شريف الذي احتضنته «غاليري صفير زملر» متيحةً للجمهور اللبناني التعرّف إلى مشواره الفني المشحون بنظرته النقدية إلى المجتمع الاستهلاكي، جاء دور المكسيكي غابريال كوري (١٩٧٠). إنّها فرصة للتعرف إلى أحد أهم النحاتين المعاصرين في المكسيك. معرض «50 في المئة خاصتي من 100 في المئة خاصتك» يتكامل مع معرض شريف، فنقد الاستهلاك يحتل جزءاً أساسياً من اهتمامات كوري الفنية أيضاً، لكن بطريقته الخاصة. «صفير زملر» التي كانت تعجّ بالعلب الملونة والمحشوة بمواد استهلاكية مضغوطة خلال الشهر الماضي، أخلت المساحة اليوم لأعمال مينمالية، هي كناية عن صفائح معدنية بأشكال وألوان متعددة.


يرى كوري أنّ كلّ المواد المحيطة بنا اليوم أصبحت مرمّزة. لقد استطاع النظام الاقتصادي عبرها أن يتحكم بنشاطاتنا اليومية. انصرف كوري إلى الاهتمام بتلك المواد، أكانت أشياء التقطها من حوله، أم مواد صناعية، ليحولها إلى منحوتات وأعمال فنية. اشتغل على البلاستيك، والنايلون، والمعادن، والفواتير والجرائد، منطلقاً من مواد نصادفها ونستعملها كل يوم لتحويلها إلى منحوتات تثير أسئلة مقلقة عن حياتنا الاستهلاكية اليومية.
عند دخولك المعرض، تجد قطعاً معدنية دائرية، إحداها مسندة إلى الحائط، وأخرى مطوية لتشكل زاوية. هناك أيضاً قطع غرانيت مسنودة فوق بعضها فيما تحتلّ ورقة «خمسة آلاف ليرة لبنانية» وسطها. ألواح الغرانيت تلك، ليست إلا قطعاً لم تُستَعمَل لأسباب قد ترتبط بخطأ صناعي. وبذلك، هي أغراض مصنفة ضمن خانة «غير قابلة للاستعمال» في منظومة العالم الاستهلاكي. إنّها خانة يرتكز عليها كوري في اختيار معظم مواده لإعادة استخدامها في تشكيل منحوتاته. عبرها، يسائل كمية المواد التي ننتجها كل يوم هدراً، لكن أيضاً طبيعة النحت المعاصر، ويختبر تفاعل تلك المواد مع بعضها في صلابتها وركاكتها. إلى جانبها، نرى منحوتات معلّقة على الحائط ومصنوعة من مواد عازلة ذهبية اللون، ومربوطة بشرائط نايلون وعلب مشروبات معدنية، يقدمها كوري كبورتريهات ذاتية.
في القسم الثاني من المعرض، نقع على عيدان كبريت عملاقة برؤوس ملونة، وأخرى مشتعلة، موزعة بشكل موازٍ على طرفي الممرّ. عبر موقعها في الممر الأبيض، تشكّل هذه العيدان لوحة ثلاثية الأبعاد، يمكن الولوج إليها. أما في القسم الثالث والأخير، فتصادف قطعاً معدنية ملقاة على الأرض، بألوان زاهية صنعت خصيصاً للمعرض في لبنان.
رغم أنّ الأشكال الهندسية البدائية تطغى على المنحوتات، إلا أنّ كوري يهتم أكثر بطبيعة تلك المعادن الصلبة، أكانت من الحديد أم الباطون، وتفاعلها الفطري مع موقعها في المساحة، ومع بعضها، ومع المشاهد. تتصف أعمال كوري بالتجريدية والمينيمالية. مقاربة مثيرة للاهتمام لموضوع مثل الاستهلاكية المعاصرة التي تسيطر على حياتنا بأوجه كثيفة التعقيد. هل تشكل خيارات كوري المينيمالية خرقاً لذلك التعقيد، ومحاولة لتفكيكه، وقراءته، واتخاذ موقف منه؟ لا شك في أنّها لغة فنية بسيطة لكنّها تتطلب جهداً كبيراً من المشاهد لتفكيك رموزها، ومحاولة محاورة الفنان في قراءته.
يشكل غابريال كوري اليوم مع فنانين آخرين كأبراهام كروزفيلياغاس، وداميان أورتيغا وغيرهما موجة فنية مفاهمية جديدة في أميركا اللاتينية. الجامع بينهم أنّهم من مواليد مدينة مكسيكو، تتلمذوا على يد غابريال أوروزكو (راجع الكادر) ويرتكزون في أعمالهم النحتية على الأغراض التي يعثرون عليها حولهم، ويحتل نقد الاستهلاك المعاصر حيزاً مهماً من اهتماماتهم.

«50 في المئة خاصتي من 100 في المئة خاصتك»: حتى 17 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «غاليري صفير زملر» (منطقة الجسر ـ الكرنتينا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/566550




Arte Povera

تتلمذ غابريال كوري على يد أحد الفنانين الأكثر تأثيراً على الساحة المعاصرة في المكسيك. إنّه غابريال أوروزكو (١٩٦٢). منذ عام ١٩٨٧ حتى ١٩٩١، تدرب كوري مع أستاذه على مقاربة أغراض الحياة اليومية وأشيائها بطريقة مختلفة. وإذ تميز الأخير في قدرته الخلاقة على تحويل أشياء يجدها حوله إلى منحوتات فنية، لا تخلو معالجته النقدية للمجتمع من بعد طريف. هكذا تأثّر كوري بمعلمه، وبمدرسة الفن المينيمالي، و«الفن الفقير» Arte Povera الإيطالي، ليطوّر نظرته إلى التوازن القائم بين الأشياء والأحجام والفضاءات.