إنزال فن الفيديو إلى الشارع، وكسر الحاجز المتمثّل في عرض الأعمال داخل قاعات العرض، يحتاج إلى مغامرة خاصة لترويج مفهوم العرض المفتوح الذي بدأ حديثاً في الوطن العربي. يُعَدّ الأمر بحد ذاته «انتحاراً» بسبب حجم الهوة التي تفصل بين الفنون البصرية والمجتمع، فهناك مخاطرة كبيرة في استثمار عروض مهمة لفنانين محترفين، وعرضها في الفضاء العام، وهو ليس أمراً يقلّل من شأن المجتمعات العربية، إنما هي عادة جديدة لم يعتدها الكثير من الجمهور.


بمبادرة فردية، تحقق هذا الأمر: معرض جماعي أقيم في الفضاء العام في القاهرة واحتضن أعمال عدد من الفنانين العرب، ثم انتقل إلى لندن ليعدّ تأكيداً لنوعية الإنجاز الذي حققه النشاط من الناحية الفنية ومستوى المشاركين، والأهمية الاجتماعية في تحريك العرض الفني وإخراجه من مكانه المغلق إلى فضاء مفتوح.
هذا المشروع الذي تبنته الفنانة المصرية يارا مكاوي التي دعت العديد من الفنانين العرب للمشاركة في هذا الحدث، يعدّ تجربة جريئة تزيد عملية التفاعل بين الفنان والجمهور. وبذلك، أُخرج العمل من سياقه المفاهيمي ليتحوّل إلى فعل جماهيري قابل للنقاش والسؤال والحوار.
نشأ فن الفيديو في أميركا وفرنسا منذ ستينيات القرن الماضي (أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات) على يد إيرني كوفاكس، وجان كريستوفر، وجون كاغ، ليدخل فن الفيديو في حركة «الفلوكسوس»(1960 ــ فرنسا) التي تقترب في توجهها من الحركة الدادائية الساعية إلى التحرر من كل أنواع الكبت الجسدي والفكري والنفسي والسياسي وتعبر عن الفوضى وتؤمن بالدمج بين كل أنواع الفنون. استمر تطور فن الفيديو في الستينيات والسبعينيات مع جان لوك غودار، وبيتر كامبوس، دان غراهام... وعربياً، تُعدّ منى حاطوم (١٩٥٢ ــ فسطين/ لبنان)، وعبد الله صالومة (١٩٧٥ ــ سوريا) من رواد فن الفيديو في المنطقة العربية. معرض «الشاشة العامة» الذي أقيم في القاهرة في أيار (مايو) هذا العام ضمن تظاهرة «شوارعنا»، عاد إلى لندن ليشكّل جزءاً من معرض «غرفة تغيير الملابس» Changing Room بدعم من مركز «مرايا» للفنون (الشارقة) والمجلس الثقافي البريطاني. الأخير الذي يضم أعمال مجموعة كبيرة من الفنانين العرب من فلسطين، وتونس، ولبنان، ومصر، وسوريا، والإمارات والعراق يقام حالياً في السفارة النيوزيلاندية في لندن ليضيء على المرحلة المفصلية والانتقالية التي شهدها ويشهدها العالم العربي. هذا الواقع يعكسه هنا الفنانون الذين تأثروا شخصياً برياح التغيير، وبالتالي، قد لا تحمل أعمالهم دلالات سياسية مباشرة. عنوان المعرض يحيلنا إلى غرفة يدخلها المرء لتغيير ملابسه، على أمل أن يبدو أكثر جاذبية أو جمالاً أو تجدداً. بالتالي يضع المعرض التغييرات الاجتماعية والثقافية في الواجهة من خلال الأعمال المعروضة.
أما «الشاشة العامة» الذي يقام في أماكن عدة في لندن، فيعدّ بمثابة تطور فني مهم على الصعيد العربي. يقدم مجموعة من أعمال وأفلام الفنانين العرب الذين يعرضون الفيديو آرت في الشارع، كاسرين الحاجز الذي يفصل بينهم وبين المتلقّي. سنشاهد تقنيات الرسوم المتحركة والكولاج مع أعمال سهى السرجاني. هذه الأخيرة تعرض فيلمين («لا اعتذار»، «تيتانيوم») أنجزتهما بعد «ثورة 25 يناير». تخلط السرجاني عناصر رمزية من الذاكرة الجمعية الخاصة بالثورة مع تأويلاتها الخاصة. عملاها يستكشفان المكان وتحولاته. فيما نشاهد أداءً حياً لإبراهيم جوابرة في «عبور ٢٠١٠» الذي يعكس صعوبات السفر وحالة الإذلال التي يتعرض لها الأشخاص تبعاً للإجراءات التي تتبعها الحكومات بحجج أمنية.
تقول منظمة تظاهرة «الشاشة العامة» يارا مكاوي عن الفكرة: «بدأت فكرة المشروع في نهاية عام 2010 حين مللت من عرض أفلامي في صالات والقاعات الخاصة التي يتوجه إليها أصدقائي الفنانون للمجاملة والدردشة. لماذا يضع الفنانون أنفسهم في صالات العرض؟ تحرير الأعمال الفنية عبر تحرير طريقه عرضها هو مكافأة لها وإظهارها في شكل أرقى وأكثر حداثةً».
‎من هنا، جاءت فكرة «الشاشة العامة» التي هي مشروع يهدف إلى عرض أفلام الـ«فيديو آرت» في الشارع للجمهور من دون أي حواجز. الجميع معاً في مكان واحد ليشاهد فيلماً يعرض لمرة واحدة فقط من دون إعادة. تقول مكاوي: «يتوجّه هذا المشروع إلى رجل الشارع اليومي ويهدف إلى كسر القيود التي قد تحدّ من حرية المؤسسات في عرض مقاطع مماثلة للجمهور، وجذب اهتمام الناس للتفاعل مع فن الفيديو».