كان الشاعر السوري فرج بيرقدار (1951) قد بدأ يشق طريقه إلى جوار مجايليه في نهاية سبعينيات القرن الماضي، حين جاء السجن السياسي ليصنع منعطفاً حاداً في تجربته. لم تكن السياسة بمعناها الشعري والحياتي غائبة عن باكورته «وما أنت وحدك» (1979)، ولا عن ديوانه الثاني «كلسرخي» (1981) الذي حمل اسم شاعر ومناضل إيراني حُكم بالإعدام. كان الالتزام الشعري المبكر ثمرة للالتزام الحزبي، بل إن الشاعر توقف لفتراتٍ عن الكتابة من أجل التفرغ الحزبي.


الشعر نفسه كان تأويلاً شبه مباشر للنضال السياسي، وكان طبيعياً أن يُكتب بغنائية عالية وتفعيلة صارمة. ربما كان ممكناً أن تحضر موضوعات ومشهديات وأفكار أخرى في قصائده، ولكن هذه الإمكانية الافتراضية عُطِّلت مع اعتقال الشاعر لأربعة عشر عاماً بتهمة الانتماء إلى «حزب العمل الشيوعي». هكذا، حضرت السياسة، وتجربة السجن تحديداً، موضوعاً أثيراً في ديوانه الثالث «حمامة مطلقة الجناحين» (1997) الذي هُرِّبت قصائده، وصدر قبل ثلاث سنوات من الإفراج عنه إثر حملة دولية. لم تختلف الحال بعد إطلاق سراحه. أصدر بيرقدار «خيانات اللغة والصمت/ تغريبتي في سجون المخابرات السرية» (2006). وها هو السجن يحضر بالكثافة ذاتها في ديوانيه الجديدين: «أنقاض» (الجديد)، و«تشبه ورداً رجيماً» (الغاوون). تتعزز الكثافة أكثر بتذييل القصائد كلها بمكان كتابتها في سجن صيدنايا، بينما يتسرب مزاج السجن حتى إلى بعض القصائد التي تحاول التحليق خارج القضبان. يُضاف إلى ذلك أن الشاعر لم ينشر شيئاً مما كتبه رغم مرور اثنتي عشرة سنة على إطلاق سراحه. لقد فصل السجن تجربته عن تجربة جيله، وأخّر شعره (أو لعله عاقه) عن استثمار التطورات التي حدثت في تجارب الأجيال التالية. كأن حَصْر حياة الشاعر في مساحة ضيقة، حَصَر تجربته الشعرية أيضاً في خيارات معجمية واستعارية محدودة.
لا يستطيع القارئ إبعاد توصيفٍ كهذا وهو يتجول بين القصائد التي يمكن القول إنها تنتمي إلى زمن أقدم من لحظة كتابتها. لا نتحدث هنا عن المعاني والموضوعات، بل عن النبرة والمعجم. لا يزال فرج بيرقدار قريباً من بداياته كشاعر من جيل السبعينيات، بل إنه قريب من بعض زملائه الذين ظلت نبراتهم مخلوطة بالجيل الستيني، بينما كان الآخرون يسلكون دروباً جانبية قادتهم إلى حساسية معاصرة في النظر إلى العالم والموجودات. نقرأ ديواني الشاعر، فنحس أننا نغادر ما يُكتب اليوم إلى حقبة شعرية سابقة، حقبة تسمح بترحيل غنائيات علي الجندي وبلاغة فايز خضور إلى قصائد الشاعر: «لا خيول لكي أتهجّى سنابكها/ وأمشّط أعرافها بالزغاريد والولولاتْ/ لم يعد أحدٌ يشتهي/ أن يكون نبياً/ وهل تستطيع النبوة أكثر من طائرٍ/ خارجٍ من رماد جناحيه؟/ هل يستطيع الخريف سوى ورقٍ ذاهلٍ عن شمائله؟/ والسجين سوى وردةٍ من حديد القيود/ وأغنيةٍ من حرير العتابْ». ربما يسهم الوزنُ في تعتيق هذا المقطع، ولكن الكتابة بالنثر لا تُنجي القصائد غير الموزونة من المذاق القديم نفسه. يتخفف الشاعر من البلاغة، وتقترب لغته من اليوميات والمشهديات العابرة، ولكن طبْع الوزن يغلب تطبّع النثر: «خمرتي أكثر صحواً مني/ وأنا أكثر غرغرةً منها/ فمن إذن سيقول:/ تلك المرأة الفادحة/ لماذا لا أستطيع أن أراها/ لأكثر من شهقة واحدة/ وتلك الزاوية الملعونة/ المجللة بالعتم والتوجس/ لماذا لا يمكن إلا أن أرتعش/ كلما رأيتُني فيها وحيداً/ أتناءى وأنظر إليّ؟». يتحرر الشاعر من جزالته في بعض القصائد القصيرة، كما هي الحال في: «أمضيتُ حياتي/ وأنا أفعل الممكن/ يا لخذلاني/ لم أفعل/ ولو مستحيلاً واحداً»، ويتحرر من ضغط السجن في: «كانت/ عائدةً من الصمت/ وكنتُ/ ذاهباً إليه/ وهكذا/ في منتصف الحال/ التقينا»، ولكن المشكلة أن اللغة لا تزال تتحرك خارج «الروح الحديثة» التي حضرت في تجارب مجايليه، وفي التجارب اللاحقة أيضاً.
هكذا، نعود إلى فكرة أن السجن عطّل فرصة الشاعر في الانشقاق عن لغته، ولم يترك له سوى أن يبرع في تأريخ آلامه التي يحاول أن يعممها على مساحة بلاده: «غاباتُ من السبطانات/ وجروفٌ من الأحذية السميكة/ غيومٌ متشققة من العطش/ وخططٌ خمسية/ للموت والجنون والتصحّر/ احتياطيٌ هائل من الدمع والخراب/ من السجون والكوابيس/ والخطابات المتربصة الشوساء/ مجازر مجانية/ وأحياناً بسعر الكلفة/ ماراثون للذل والدجل/ والأوسمة المبطنة بالهزائم/ جلادون/ ومشعوذون/ وسماسرة/ وما لا أدري/ إليكم عني.../ ليست بلادي/ هذه التي تتضوع كراهيةً/ وتهرش رأسها بالمجنزرات». فرج بيرقدار بارعٌ هنا. يشبه نفسه أكثر عندما يحدّثنا عن السجن والسياسة. أما الشعر، فيظل في منطقة الوسط، حيث الجودة متوسطةومتفاوتة.




رقابة و... جوائز

إذا كان الالتزام السياسي قد عاق شعر فرج بيرقدار عن الالتحاق بالروحية الحديثة التي سادت لدى عدد من مجايليه في سوريا والعالم العربي، فإن الرقابة في سوريا منعت نشر دواوينه الأخيرة أيضاً. في نهاية ديوانه «أنقاض»، ثبّت الشاعر ردّه على ما جاء في تقريرين لاتحاد الكتّاب ينقسم صاحباهما بين الإعجاب بشعرية الديوان ولغته المتميزة، وبين «ضرورة» رفض طباعته لأنه «غير ملتزم بأهداف الاتحاد» و«يسيء إلى الروح القومية». الأرجح أن بيرقدار قدّم المخطوط وهو يتوقع أن يُرفض. كأن سُمعته النضالية والحزبية تسبق شعره إلى الرقيب أيضاً لا إلى القارئ العادي فقط. سمعةٌ توّجته بجوائز تُمنح عادةً لمثقفين وكتّابٍ تعرضوا للقمع أو الاعتقال. يستحق بيرقدار هذه الحفاوة بالطبع، لولا أنها أسهمت في تضخيم سيرته كسجين سياسي على حساب قراءته كشاعر.