بغداد | خلال الأسبوع الماضي، مرّت الذكرى الرابعة لاغتيال الكاتب والباحث العراقي كامل شيّاع. أصدقاؤه استذكروه في بغداد، فأضاؤوا الشموع بجوار تمثال شهريار وشهرزاد في شارع أبي نواس. وترافق الحدث مع قراءات شعريّة وتلاوة كلمة، أهمّ ما جاء فيها الاشارة الى «الإجماع الذي أفلح شياع في تحقيقه في موته، بدماثته ووعيه ووطنيته، لذا كتب عنه حتّى من اختلف معه، وهي ميزة لم تعد حاضرة في حياتنا الثقافيّة أو حياتنا العراقيّة بعامّة». إلا أنّه من بين ثلاثين صحيفة عراقيّة يوميّة، نادرة هي الجرائد التي كرّست صفحاتها الثقافيّة لاستذكار الراحل، وتجديد المطالبة بالكشف عن القتلة وإظهار نتائج التحقيقات الى الرأي العام الذي لا يعرف حتى اليوم مسار التحقيقات الجنائيّة الرسميّة في القضية. أبعد من ذلك، وقبل حلول ذكرى اغتياله الأليمة، تحوّل اسم كامل شياع الى رمز. قبل سنتين مثلاً، أبصر «مرصد كامل شياع» النور بمبادرة من مثقفين عراقيين في بغداد.


هدفَ هذا المشروع إلى رصد الانتهاكات الحاصلة للحريّات في العراق، ثمّ أُطلقت جائزة باسم شياع لحريّة الصحافة، بمبادرة من «مركز الصحافة الأوروبيّة» (بروكسل) و«مؤسّسة كامل شياع» (بإشراف من شقيق الشهيد فيصل عبدالله). وأخيراً، أعلنت دائرة الفنون التشكيليّة إقامة 19 نصباً لنخبة من أبرز مفكري العراق وأعلامه (وهم طه باقر، وحيدر الحلي، ومصطفى جمال الدين، وجواد سليم، وفائق حسن، ومحمد غني حكمت، ومصطفى جواد، وعلي جواد الطاهر، ومحمد بهجت الأثري، وعزيز علي، وعلي الوردي، والأب أنستاس الكرملي، وأحمد سوسة، وهاشم الخطاط البغدادي، وكامل شياع، وعبد الجبار عبدالله، ونازك الملائكة، وعبدالله كوران، وبلند الحيدري). هكذا، حضر صاحب «خارطة طريق للثقافة العراقيّة» بابتسامته بالتزامن مع حدث اختيار مدينته بغداد، عاصمةً للثقافة العربيّة لعام 2013.
استنفدنا رثاء كامل شياع وقلنا الكثير، وما من مجال لسرد الأكثر. بل الأجدى هو إكمال ما بدأ به: إنقاذ العراق بقارب نجاة اسمه الثقافة. ومن المنصف أيضاً أن نشير إلى مبادرات استذكاره، سواء على مستوى أهلي أو رسمي، لكنّ الأهمّ اليوم ألا نتوقف عن المطالبة بإظهار التحقيقات والنتائج التي توصّلت إليها الأجهزة الأمنيّة في فكّ خيوط الجريمة، حين ألقي جسده مضرّجاً بالدم على طريق محمد القاسم في بغداد عام 2008.
نخطو باتجاه ذلك علّنا نخالف ما دوّنه عام 2004 عن «المحو العراقيّ» العبثيّ في مجلة «زوايا» اللبنانيّة. يومها، كتب: «وضعتني هذه الرحلة وجهاً لوجه أمام موت جارف، وشيك وعبثيّ. لا أعني هنا بالطبع أفكاراً أو أخيلة أو هواجس تستبق حدث الموت الرهيب، بل حقائق ملموسة يمتزج فيها الموت بالحياة، ويتلازمان في كلّ لحظة. الموت في مدينة كبغداد يسعى إلى الناس مع كلّ خطوة يخطونها، فيما تتواصل الحياة مذعورة منه أحياناً، ولامبالية إزاءه في أغلب الأحيان».