الإسكندرية | لم يكن يتصوّر شباب الثورة والمثقفون في أسوأ كوابيسهم أن تبدأ الشرطة عهدها الجديد، سائرة على أشلاء الكتب الثقافية والفكرية. في «شارع النبي دانيال» الذي يُعَدّ «سور أزبكية الإسكندرية» أشهر الشوارع التاريخية في المحافظة، أتت جرافات الشرطة مساء الجمعة الماضي على تسعة من أصل 48 كشكاً من أكشاك بيع الكتب والمجلات بدعوى عدم امتلاك تراخيص.


بدأت «النكبة» الثقافية حين انحرفت جرافات الإزالة التي كانت في ميدان الشهداء في «محطة مصر» نحو «شارع النبي دانيال» لتزيل هذه الأكشاك التي ثقفت ملايين المواطنين على مدى عشرات السنين، لتبدأ في هدمها وإزالتها. إلا أن أهالي الشارع تصدوا للجرّافات بأجسامهم، مؤكدين أنّ هذه الأكشاك على جانب الرصيف مرخصة من المحافظة ووزارة الثقافة والحي، وموجودة منذ عشرات السنين، وتشكّل مصدر رزق لعشرات الأسر، ولم تضر أحداً قبلاً، وخصوصاً أنّها تتمركز على جانب واحد من الرصيف. وهو ما جعل قوات الشرطة تتوقف بعدما خلّفت الدمار في المكان.
وقد هاجم عدد من المثقفين ما أقدمت عليه الشرطة والمحافظة، مطالبين بتعويض أصحاب الأكشاك، بل رعاية الدولة لهم. وتساءل الكاتب والسيناريست بلال فضل على حسابه على تويتر عن قدرة محافظ الإسكندرية ورجاله على إزالة الأدوار المخالفة في عمارات الأثرياء المنتشرة في الإسكندرية «بدل ما يتشاطروا على أكشاك اللي بيأكلوا عيش». وأشار إلى أنّ «الإسكندريين» يشتكون من البلطجة وانتشار العقارات المخالفة ولم يشتكوا من أكشاك النبي دانيال. فيما قال محمد نصر، مسؤول العلاقات العامة لجماعة الإخوان المسلمين في الإسكندرية: «أخطأت مديرية أمن الإسكندرية حين قررت إزالة سوق النبي دانيال، وقامت بكل همجية بإزالة تلك الأكشاك والقضاء على عدد كبير من الكتب القيمة».
وقال محمد العربي الباحث في وحدة الدراسات المستقبلية في «مكتبة الإسكندرية» لـ«الأخبار»: «مهما كانت رسمية القرار، فإن طريقة تنفيذه اقترنت بهمجية هي من طبيعة الشرطة المصرية وفي صميم ثقافتها في التعامل مع كل ما تؤمر به، سواء كان بشراً أو كتباً أو بضائع أو غير ذلك». ورأى أنّ «القضية لا تبدو سياسية، بل متعلقة أساساً بذهنية البيروقراطية الأمنية المصرية التي ترتكز على الهجوم الهمجي الذي يقترب من سياسات الاحتلال والغزو المحض بالبلدوزرات والعنف والقسوة ومحو الخصم، وهو مواطن بلا حقوق ولا اعتبار في هذه الحالة».
وبرر مصدر أمني لـ«الأخبار» فضّل عدم ذكر اسمه هذا الفعل بأنّه خطأ من الحملة التي قادها ضباط صغار بعد انصراف أكبر ضابطين مسؤولين عنها ــ مدير المباحث ورئيس المباحث ــ قبل انتهاء العملية. وتابع قائلاً إنّ الشارع لم يكن من أهداف الحملة منذ البداية، ولم تكن أكشاك البيع أو بيع الكتب مقصودة فيها. على أي حال، ما زالت القضية تتفاعل في صفوف الرأي العام المصري مع مطالبات بتحويل الشارع إلى معلم سياحي تراثي.