دمشق | لا نعلم أين يتوارى ياسين الحاج صالح (الرقة ـــ 1961) منذ بداية الانتفاضة السورية؟ الكاتب السوري (الصورة) الذي حصد منذ أيام جائزة «مؤسسة الأمير كلاوس» الهولندية التي تُمنح سنوياً لشخصيات فاعلة في الثقافة والتنمية، وُضعَ تحت ضوء كشّاف، لكنّه بقي «متوارياً» خلافاً لآخرين قرروا باكراً مغادرة البلاد، واحتلال الشاشات عن بعد. لعل حالة الاختباء القسري تشبه نمط حياته، كأنّها استكمال لسنوات الاعتقال الطويلة التي قضاها في السجون السورية طوال مرحلتي الثمانينيات والتسعينيات. هكذا أسس لكتابة من طراز خاص، يتعانق خلالها السياسي والفكري في فضاء واحد، على خلفية تجربته الشخصية لجهة راديكالية مواقفه، وربما تشنجها أحياناً، إذ إن قوة اليقين تتفوق على الوقائع، في أحيانٍ كثيرة، إلى درجة الانزلاق إلى مواقف شعبوية، كان هو مَن رفضها في كتاباته المبكّرة، على الأرجح بتأثير الحالة الميدانية، وفداحة الخسائر في الأرواح، واضطراب المشهد السوري، وتعدد مرجعياته. في المقابل، هناك من يحاول إطاحة حضوره الخلّاق، وأصالة عبوره برزخ الحريّة الشاقة، من معارضين هوائيين محمولين على الضغينة الشخصيّة في المقام الأول.


لنقل إذاً إنّ صاحب «بالخلاص يا شباب» يحارب على أكثر من جبهة، معارضة وموالية، لكنه آثر في حواراته، وسجالاته، أن يكون مجرد فرد في الجموع، ليس أكثر، تجنباً لغرور قد يصيبه، بتأثير ألقاب يمنحها مريدوه، خصوصاً، على صفحته على فايسبوك. من ضفةٍ أخرى، لا يمكن إنكار شجاعة هذا المثقف العضوي بامتياز، في مواجهة أسئلة جوهرية تخص السوريين، أمس واليوم وغداً، في ما يتعلّق بالمواطنة، والطائفية، والإسلام السياسي، والديمقراطية، وإن تأرجح في لحظةٍ ما، تحت وطأة أطروحات ليبرالية غائمة.
كان ياسين الحاج صالح قد أطلق منذ سنوات مدوّنة باسم «بدل ضايع»، تضم أفكاره حول قضايا فكرية وسياسية، لتأثيث البيت السوري من الداخل، كما نكأ في كتابه الأول «سوريا في الظل: نظرات داخل الصندوق الأسود» جراحاً عميقة تعتمل في أرواح السوريين، وساجل الإسلام السياسي في كتابه «أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده». أما تجربته في السجن، فقد وثّقها في «بالخلاص يا شباب»، فهل يستعيد أخيراً هويته المضيّعة؟