من «وزارة للثقافة والاتصال» إلى «كتابة دولة للاتصال»، فـ«وزارة للاتصال»، لم يرسُ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة منذ اعتلائه سدة الحكم على مسمّى واحد لهيئة رسمية مرّ عليها لغاية اليوم 10 وزراء، لم يعمّر أيٌّ منهم أكثر من سنتين في منصبه، إلا ووضع على «مقصلة» الرئيس الباحث عمن يحقق نظرته إلى قطاع الإعلام والاتصال، قبل أن يأتي الوزير رقم 11 خلال 13 عاماً من حكم بوتفليقة المتواصل! إنّه محمد السعيد الذي عُيِّن أخيراً وزيراً للاتصال بعدما اشتهر بوصفه «الإسلامي المعارض» (راجع الكادر).


في نيسان (أبريل) 1999، دخل بوتفليقة قصر المرادية، ليجد على رأس قطاع الاتصال والثقافة الدبلوماسي السابق عبد العزيز رحابي الذي يحظى بالكثير من القبول بين الصحافيين في الجزائر بسبب ميله إلى الانفتاح الإعلامي. اختلف الرجلان سريعاً، ليعجل الرئيس في إقالته من منصبه في حزيران (يونيو) 1999، وقرر تحويل الوزارة إلى «كتابة دولة»، قبل أن يعود في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه إلى تعيين عبد المجيد تبون وزيراً للاتصال والثقافة، لكنّه لم يصمد أكثر من سبعة أشهر.
ومجدداً، قرّر بوتفليقة إلغاء مسمى الوزارة، قبل أن يعيده بعد أقل من شهرين، ويسلم الحقيبة الوزارية في آب (أغسطس) 2000 لمحيي الدين عميمور الذي كان يرى نفسه رجل ثقة بوتفليقة، معوّلاً على رصيد علاقة تربطهما منذ عهد الرئيس بومدين. يومها، بشّر عميمور الإعلاميين بقانون جديد للإعلام، سرعان ما تسربت تفاصيله إلى وسائل الإعلام من دون علم الوزير، فكان ذلك أحد الأسباب التي عجّلت في إقالته في أيار (مايو) 2001. ولاحقاً، استنجد بوتفليقة بالوزير محمد عبو الذي لم يصمد بدوره سوى سنة واحدة (أيار/ مايو 2001 ــ حزيان/ يونيو 2002).
ثم كانت المفاجأة! لقد نجح بوتفليقة في استقطاب وزراء «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» العلماني المعارض إلى صفه، واختار بوتفليقة القيادية السابقة في الحزب خليدة مسعودي (تومي لاحقاً) لتولي مسؤولية الوزارة في أيار (مايو) 2002. هكذا، نجح بوتفليقة في تغيير القناعات الفكرية والسياسية والإيديولوجية للوزيرة العلمانية التي تحولت من معارضة شرسة للنظام إلى أشدّ مؤيدي الرئيس، ما مكّنها من الصمود في المنصب حتى نيسان (أبريل) 2004، قبل أن تلحق بها لعنة الإقالة موقتاً، حين استخلفها بوتفليقة بالوزير بوجمعة هيشور الذي لم يشذ عن القاعدة، وأقيل بدوره بعد عام فقط من تعيينه (نيسان/ أبريل 2004 ــ أيار/ مايو 2005).
وكخطوة جديدة، قرّر الرئيس للمرة الأولى فصل وزارة الاتصال عن الثقافة. نصّب على رأس الأولى مستشاره الخاص سابقاً الهاشمي جيار الذي أقيل بدوره من منصبه بعد عام واحد (ايار/ مايو 2006 ــ حزيران/ يونيو 2007)، وخلفه عبد المجيد بوكرزازة لستة أشهر فقط، وتلاه الشاعر والإعلامي عزالدين ميهوبي الذي لقي المصير نفسه. وأخيراً وليس آخراً، رسا خيار بوتفليقة على مدير وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ناصر مهل، لكنه لم يشذ عن القاعدة وأقيل من منصبه بعد فترة لم تتعدّ ما حظي به سابقوه.
وقبل أيام، أثبت بوتفليقة أنه لا يزال غير مقتنع بالأسماء التي تناوبت على وزارة الاتصال والثقافة، ورغم محاولات كل الوزراء الذين مروا على المنصب الحصول على ثقة الرئيس، إلا أنّ أحداً منهم لم ينجُ من «مقصلة» الإقالات المتواصلة، قبل أن يفاجأ الإعلاميون أخيراً بقرار إسناد الوزارة هذه المرة إلى الإعلامي محمد السعيد (65 عاماً) المحسوب على التيار الإسلامي.
طوال عهده، ظلّ بوتفليقة يعارض أي انفتاح للفضاء السمعي البصري، بل لم يخف امتعاضه من أداء الصحف الخاصة في الجزائر. مع السنوات، عرفت السلطة كيف تحكم سيطرتها عليها تدريجاً، فباتت اليوم أقل حدة في انتقاد الرئيس بسبب وجودها تحت رحمة قيود، أبرزها قانون المطبوعات وقانون الإعلانات (الإشهار) الذي قيّد هامش الحرية لدى الصحف التي بات كل همّ القائمين عليها الحفاظ على وجودهم في الأكشاك، في وقت تغرق فيه الصحف الخاصة في فخ المديونية التي تثقل كاهلها بسبب تراجع إيرادات الإعلانات الحكومية لفائدة الصحف الحكومية، عدا الصحف التي دخلت «بيت الطاعة»!
واليوم، يتساءل الإعلاميون في الجزائر عن مدى قدرة وزير الاتصال الجديد على الصمود في منصبه لو لم تشمله «لعنة السنتين» كسابقيه، وما يمكن أن يقدمه لتحقيق الإصلاحات المرتقبة في قطاع الإعلام والاتصال، وفي مقدمتها قانون فتح الفضاء السمعي البصري الذي وعد سابقه بأنّه سيُطرح للنقاش في البرلمان في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ومراجعة قانون الإعلام وغيرها من القضايا التي تقض مضاجع الإعلام في الجزائر الحكومي والخاص في آن واحد.




بورتريه | الوزير رقم 11


محند أوسعيد بلعيد، أو محمد السعيد (الصورة) ــ كما يعرفه الجزائريون ــ عمل مراسلاً صحافياً قبل أن يتولى إدارة صحف حكومية، ثم يصبح ناطقاً باسم وزارة الخارجية عام 1981، ويتولى بعدها مناصب دبلوماسية، ثم يصبح وزيراً مفوضاً قبل تقاعده. لكن اسم محمد السعيد رسخ أكثر في ذهن الإعلاميين من خلاله عمله مع وزير الخارجية الأسبق طالب الإبراهيمي (نجل البشير الإبراهيمي المحسوب على التيار الإسلامي) الذي عيّنه مسؤولاً للإعلام لحملته الانتخابية الرئاسية عامي 1999 و2004، ثم أميناً عاماً لحركة «الوفاء والعدل» التي أسّسها الإبراهيمي، ورفضت السلطات اعتمادها بحجة أنّ الإبراهيمي محسوب على التيار الإسلامي، وضم إلى حزبه وجوهاً من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة» التي تحمّلها السلطات مسؤولية سنوات العنف التي شهدتها الجزائر في التسعينيات. لكن محمد السعيد أصر على وجوده في الساحة السياسية، فأعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2009 التي فاز بها بوتفليقة بعد تعديله للدستور للسماح له بأكثر من ولايتين رئاسيتين. وهنا، أحدث السعيد المفاجأة، حين بادر إلى تهنئة الرئيس على عكس بقية المنافسين الذين طعنوا في النتائج!
وفي العام نفسه، أسّس السعيد حزب «الحرية والعدالة»، وانتخب رئيساً له. لكنّ السلطات ظلت ترفض اعتماد حزبه، وقيل إنّ السبب أنّ الرجل وقع في فخ أستاذه طالب الإبراهيمي، إذ يخشى أن يتحول حزبه إلى غطاء لعودة مناضلي «الفيس» المحظور في الجزائر، لكن سرعان ما عادت السلطات لتمنح الاعتماد الرسمي للحزب مطلع 2012. وبعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة في أيار (مايو)، خرج حزب السعيد خالي الوفاض، ما جعل الحزب يطرح فرضية حل نفسه، قبل التراجع. وها هم الإعلاميون اليوم يفاجأون بتعيين مَن كان محظوراً من النشاط السياسي سابقاً على رأس وزارة الاتصال. هكذا، تحول محمد السعيد من معارض إلى وزير يعمل على إنجاح برنامج الرئيس! وبهذا، يكون بوتفليقة قد نجح مجدداً في «ترويض» محمد السعيد «الإسلامي المعارض» وإدخاله الحكومة، كما فعل قبلاً مع «العلمانية المعارضة» خليدة تومي!