وجد نصر الدين البحرة نفسه وسط متاهة مكتبة ضخمة. كُتب بالعربية، وأخرى بالفرنسية. أُصيب طفل السابعة بالحيرة، إلى أن اهتدى أخيراً إلى كتاب يحمل توقيع كامل الكيلاني. «كانت محتويات هذا الكتاب قصصاً من وحي «ألف ليلة وليلة» والأساطير اليونانية، فشغفت بالقراءة منذ ذلك الحين». الأب الذي درس الفلسفة في «جامعة السوربون» في باريس، في عشرينيات القرن المنصرم، وصاحب صحيفة «الجزيرة»، غاب باكراً، فغرق الطفل بين رفوف تلك المكتبة الضخمة ينهل من كنوزها بنهم: من الجاحظ إلى الأصفهاني، إلى بالزاك وستاندال وتشيخوف. اكتشافه أعداداً من مجلة «الهلال» المصريّة وضعه أمام خيارات أخرى. «أذهلتني القصص التي كانت تنشرها المجلة لكاتب يدعى محمود تيمور، وهو معلمي الأول في كتابة القصة». لاحقاً، ستلعب مجلة «الكاتب المصري» التي كان يرأس تحريرها طه حسين، دوراً أساسياً في تشكيل وعيه الثقافي، وهذا ما جعله يختار دراسة الفلسفة على خطى والده، من دون أن يهمل كتابة القصة التي يعتبرها عشقه الأول.
هكذا توجّه إلى مجلة «النقّاد» لصاحبها سعيد الجزائري لاختبار مهارته في الكتابة. فقد كانت هذه المجلة الرائدة بمثابة أكاديمية أدبية لجيل الخمسينيات، ذلك أنّ من يظهر اسمه على صفحاتها سيكون محظوظاً، كما يقول. نُشرت القصة الأولى لصاحب «أنشودة المروّض الهرم» في عام 1954، لتعلن ولادة أحد كُتّاب القصة في سوريا. الثقة التي منحتها مجلة «النقّاد» له، شجّعته على المشاركة في مسابقة للقصة، كان قد أعلنها «مهرجان وارسو للشباب»، إذا به يفوز بالجائزة الثانية عن قصته «أبو دياب يكره الحرب». بدلاً من الاحتفاء به، كما كان يتوقّع، هاجمته الصحافة، ورأى بعضهم أن القصة لا تستحق الاهتمام، متجاهلين أن رئيس لجنة التحكيم هو الشاعر التركي المعروف ناظم حكمت. وسط هذه الخيبة النقديّة والحرب الاستباقية، أحسّ الكاتب الشاب بالإحباط، إلى أن اتصل به مدحت عكاش، صاحب مجلة «الثقافة»، طالباً منه جمع قصصه لإصدارها في كتاب، فأبصرت مجموعته القصصية الأولى «هل تدمع العيون؟» النور مطلع عام 1957. هكذا، انضمّ نصر الدين البحرة إلى كوكبة من كُتّاب القصة حينذاك، مثل عادل أبو شنب، وياسين رفاعية، وزكريا تامر، وسعيد حورانية. المعارك النقدية الساخنة التي كانت تدور رحاها على صفحات الجرائد والمجلات، لم تكن منصفة على الدوام، إذ لعبت الشللية، كما يقول، دوراً في إقصاء تجارب لافتة، والتهليل لتجارب أخرى، بدوافع إيديولوجية أكثر منها أدبية. لم تتوقف موهبة نصر الدين البحرة عند كتابة القصة، فهو كان أحد مؤسسي «الجمعية التمثيلية» التي قدّمت عروضاً مسرحية لافتة عن نصوص عبد الوهاب أبو السعود، أحد أبرز رواد المسرح السوري، كما عمل في معظم صحف الخمسينيات والستينيات مثل «الرأي العام»، و«الطليعة»، و«الصرخة»، و«الدنيا». يتذكّر هنا رئيس تحرير صحيفة «الرأي العام» أحمد عسّه: «في غضون ستة أشهر، علّمني ما لم أتعلّمه طوال تجربتي الصحافية». ويضيف متحسّراً على ما آلت إليه الصحافة السورية «لقد احتضرتْ مهنة الصحافة، منذ أن وضعت الدولة يدها عليها». يصمت قليلاً، قبل أن يروي واقعة شهدتها الصحافة حينذاك، وكان يعمل محرراً منتدباً في البرلمان لمصلحة صحيفة «صوت العرب»: «اعتقلت الشرطة طلاباً قاموا بتظاهرة، فكتبت الصحف المسائية «الشرطة تنتهك الحريات»، ما استدعى رئيس الحكومة أن يتصل بوزير الداخلية، ويأمره بالإفراج عن الطلبة المعتقلين على الفور. وفي الجلسة المسائية للبرلمان من اليوم نفسه، طرح نوّاب المعارضة مسألة الاعتقال، من دون أن يعلموا بأمر الإفراج عن الطلبة المعتقلين، فأجابهم رئيس الحكومة حينذاك صبري العسلي بأنّ المعتقلين عادوا إلى بيوتهم منذ ساعات». ويضيف معلّقاً حول الدور الذي كانت تلعبه الصحافة: «من يسمع هذه الواقعة اليوم سيظن أنها حدثت على كوكب آخر، وليس في دمشق الخمسينيات».
لم يغب صوت نصر الدين البحرة عن أثير «إذاعة دمشق» طوال حوالى نصف قرن، عبر برامج ثقافية متنوعة، كان آخرها «أوراق وذكريات». في هذا البرنامج الذي يُبث ظهيرة كل خميس، يقلّب الصحافي العتيق أوراق العمر، متوقّفاً عند محطات أساسية في الحياة الثقافية والفنيّة السورية، بذاكرة متوقّدة، كأن إنصاته إلى صوت محمد عبد الوهاب في أغنية «الجندول» التي سمعها طفلاً، قد حدث الآن بكل تفاصيله، أو أن يستحضر مشهداً من فيلم «ذهب مع الريح» شاهده في دار سينما مكشوفة في نهاية الثلاثينيات، أو لحظة رحيل فريد الأطرش، إذ كان موجوداً إلى جانب سريره في المستشفى، أو حكايات قريبه أبو أحمد فلفل، أول من لفت انتباهه إلى غواية الحكي، إضافة إلى عروض خيال الظل في حي مئذنة الشحم داخل أسوار دمشق القديمة. وسوف يستعيد ملامح المدينة القديمة في كتابه «دمشق الأسرار»، كاشفاً عن الكنوز المخبوءة في شوارعها وحواريها، قبل أن تطيحها معاول المقاولين الجدد، إذا بها تفقد هويتها المعمارية على هيئة كتل أسمنتية لا روح فيها. «الحرب على دمشق القديمة لم تتوقف إلى اليوم. هناك من سعى إلى هدم بيت يوسف العظمة (وزير الحربية الذي استشهد في معركة ميسلون على يد الجنرال الفرنسي غورو)، لولا تدارك الأمر في اللحظة الأخيرة، وكذلك بيت أبي خليل القباني الذي بقي مهملاً إلى اليوم، رغم الوعود الحكومية المتعاقبة بترميمه»، إلى عشرات البيوت الأثرية التي تحوّلت إلى مطاعم وحانات. هذا العشق لمدينته يتجاوز الشغف الشخصي، ليصبّ في حماية الذاكرة الوطنية للمدينة. ذلك أنّ صاحب «رقصة الفراشة الأخيرة» ظل شاهداً على تاريخ دمشق، ومدافعاً عن عراقتها، في أبحاثه ودراساته، وأحاديثه الإذاعية. يختزل صاحب «موت أجير الفرّان» المشهد السوري الغائم اليوم بعبارة واحدة مقتبسة من ناظم حكمت «أنا في النقطة التي انتهى إليها العالم»، من دون أن يوضّح موقفه تماماً مما يجري، تاركاً تفسير العبارة معلّقاً في فضاء المقهى، حيث التقيناه.
يواظب نصر الدين البحرة على موعده اليومي في «مقهى الروضة»، إضافة إلى موعد أسبوعي يجمعه مع رفاقه القدامى: الموسيقار سهيل عرفة، والباحث ياسر المالح، والمخرج علاء الدين كوكش، في جلسة مخصصة للضحك «قبل أن تجلل المآسي سماء دمشق».
تجهمه الخارجي ينطوي على شخصية أخرى تكتنز عشرات المواقف الضاحكة التي جمعها في سلسلة «ظرفاء دمشق». هكذا انكبّ أخيراً على إنجاز مشروع يحمل عنوان «الضحك تاريخ وفن»، مستعرضاً تاريخ الضحك عند العرب، ومنبّهاً إلى «خفة الظل» التي لم تتمكن المصائب والمحن في التاريخ العربي من إطفائها. يقول «أعتبر الجاحظ أبا الضحك العربي، من دون منازع، وآمل أن أسير على خطاه، في توثيق خصائص الضحك المعاصر».





5 تواريخ

1934
الولادة في حي مئذنة الشحم في دمشق

1957
صدور مجموعته القصصية الأولى
«هل تدمع العيون؟»

1992
أنجز بحثاً تاريخياً وتوثيقياً بعنوان «دمشق الأسرار»

2010
يُعدّ ويُقدم بصوته برنامج «أوراق وذكريات» على هواء «إذاعة دمشق»

2012
يُعدّ لكتاب بعنوان «الضحك تاريخ وفن»