هو أكثر من لقاء تضامني ضاقت به أمس قاعة المؤتمرات في فندق الـ»كورال بيتش» في بيروت، وهو أكثر من مؤتمر صحافي أقامه رئيس مجلس إدارة قناة «الميادين» (الأخبار 5/11/2015) غسان بن جدّو عُقد على خلفية وقف بث القناة على قمر «عربسات». وسط حضور عدد من مديري مجالس قنوات وصحف لبنانية، أبرزهم ناشر صحيفة «السفير» طلال سلمان، ونائبة رئيس مجلس إدارة قناة «الجديد» كرمى الخياط، ورئيسا مجلسي إدارة «المنار» إبراهيم فرحات و»النور» يوسف الزين، وعدد من الشخصيات الإعلامية والسياسية، استمعنا إلى جلسة مكاشفة بكل ما للكلمة من معنى.


كشف الإعلامي التونسي حقائق ووقائع سُردت للمرة الأولى على الهواء. طيلة سنوات، حبس الرجل مضايقات جمّة لوأد القناة حتى قبل أن تولد في حزيران (يونيو) 2012، آتيةً من جهات ودول عربية وخليجية لم يفصح عن أسمائها، لكن يكفي السرد لمعرفة حقيقة ما وصلت اليه قناة «الواقع كما هو» اليوم، من إسكات صوتها على «عربسات» وابتزاز الأخيرة للحكومة اللبنانية، ملوّحة بفسخ تعاقدها مع الدولة اللبنانية ونقل محطة بثها الى العاصمة الأردنية. كل ذلك اعتراضاً على مداخلة مستشار مجلس الشورى الإيراني حسين شيخ الإسلام (30/9/2015) في نشرة أخبار الساعة العاشرة ليلاً على القناة، حيث انتقد السعودية على تقصيرها في حادثة منى الشهيرة ومقتل الحجّاج. هذا الأمر أزعج السلطات السعودية، فعمدت إدارة القمر العربي (الذي يتخذ من الرياض مقرّاً له وتملك السعودية 36 في المئة من أسهمه) الى الوقف المفاجئ والنهائي لقناة «الميادين»، ضاربة بذلك كل إجراء تدريجي قانوني وتفاوضي يمكن أن يحصل بينها وبين القناة. أضف إلى ذلك أنهم «طلبوا منا عدم التعاطي مع الملف اليمني من زاوية انسانية وعدم الحديث عن استهداف المدنيين» وفق بن جدو.
هذا الترهيب، ومحاولة إطفاء هذه الشاشة، قد يكونان ــ بخلاف السائد ــ بالأمر الهامشي مقارنة بما كشفه بن جدّو عن ضغوط مورست على قناته من جهات عربية سياسية رسمية قدمت وثائق إلى الاتحاد الأوروبي وإلى الإدارة الأميركية تحذر فيها من أنّ القناة «إرهابية» و»معادية للسامية». لكن بعد رصد دام ثلاثة أشهر، فوجئت هذه الأطراف بأن لا وجود لهاتين الذريعتين في قاموس «الميادين». ومع سقوط هذا الادّعاء، واظبت هذه الجهات العربية وغيرها من الدول العربية الكبيرة على تشويه صورة «الميادين» وبث الدعاية المغرضة عبر تقارير إعلامية تدّعي أن القناة «باتت تشكل خطراً حقيقياً»، ومع ذلك استمرت حملات التشويش على المحطة.


أمام القناة قدرات تقنية ولن تتوقف أبداً ويستطيع أيّ كان مشاهدتها أينما كان

طيلة ثلاث سنوات وأربعة أشهر (عمر القناة)، شاء بن جدّو كتمان كل هذه التهديدات، والركون الى لغة الهدوء والعقل، وعدم استثمار القضية إعلامياً ودعائياً في قناته. هذا الكتمان سرى أيضاً على قطع البث عبر قمر «عربسات» أيضاً، إذ أراد التعامل مع الموضوع بشكل هادئ وقانوني. لكن حالما تسرّب الخبر الى الرأي العام، قرّر الإعلامي التونسي كشف جميع الأوراق، وإطلاع الجمهور على كل ما يحدث خلف الكواليس.
في هذا الفضاء العربي المزدحم الذي تسيطر فيه المملكة العربية السعودية على نسبة تفوق 95% منه، وأغلبه بات منبراً ترويجياً للكراهية والتحريض المذهبي، أزعجها صوت ضيف إيراني على قناة «الميادين»، فأوعزت بقطع البث عنها عربياً. ألغى «عربسات» بثّ القناة عن قمر C5 الذي يغطّي أفريقيا ودول المغرب العربي، وبقي بثّ القناة عبر مدار «بدر 4» المطالب بتوقيفه من لبنان. الأمر اعتبره بن جدّو «دليل إخفاق»، لتتحوّل القضية اليوم من إعلامية تضامنية الى قضية «رأي عام عربي»، على حدّ قول بن جدّو. بالنسبة اليه، أصبحت هذه القضية «المعركة الأساسية»، معركة رأي عام عربي لقناة أسقطت «الثورات المزيفة» أو ما سمّي «الربيع العربي». ورغم كل هذا التهويل والترهيب، أكّد بن جدّو، خلال المؤتمر، أنّ أمام القناة «إمكانات تقنية ولن تتوقف أبداً، ويستطيع أيّ مشاهد أن يلتقط بثّنا أينما كان»، مشدداً من جديد على ثوابت القناة التي أُعلم بها جمهورها لحظة ولادتها على الهواء: التمسّك بالمقاومة في لبنان وفلسطين وأينما وجدت. وهنا، كان التساؤل واجباً من قبل بن جدّو: «هل هي مصادفة أن يتزامن هذا القطع مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية؟». سؤال يشرّع بقوة، خاصة مع كشف بن جدّو عن محاولة تصوير القناة من جديد، ومن خلال تغطيتها لهذه الانتفاضة، بأنها منبر يعادي «السامية». هذا الترويج لم يأت من جهة «إسرائيلية»، بل من جهة عربية.
ورغم عمرها القصير، استطاعت القناة رسم خطّ إعلامي ملتزم بقضايا الأمة والمجتمعات العربية، فكانت صوتاً مدوياً لفلسطين ولقدسها، في وقت تخاذل فيه العرب حتى عن المواكبة الإعلامية للقضية الأساس، وكانت أيضاً صوت العقل والتقريب بين الأديان والمذاهب. ورغم انحيازها إلى هذه القضايا وإشهار ثوابتها، لم تقفل بابها أمام أي ضيف قد يعارض توجهاتها، فكانت صرحاً لجميع الآراء على تنوّعها. وخلال المؤتمر الصحافي أمس، عرض تقرير تلفزيوني يظهر عدداً من الآراء والمداخلات التي تنتقد بقوة وقساوة حتى حلفاء هذه القناة.

تردّد «الميادين» على مدار «عربسات»: تردّد 11678 أفقي معدل ترميز 27500 معدل تصحيح 5/6




آلو الدول اللبنانية؟

قررت وزارة الاتصالات اللبنانية النأي بنفسها عن ملفّ «عربسات» التي تمارس ضغوطاً على الدولة اللبنانية لوقف بث «الميادين» عبر مدار «بدر 4». في اتصال مع «الأخبار»، أكّد مستشار وزيرها، يوسف الحويك، أنّ الأمر ليس بيد الوزارة، رغم أنّ وزارة الاتصالات هي الوصيّة على ملف البث الفضائي. لكن الحويك رمى الكرة في ملعب وزارة الإعلام. وقد حاولت «الأخبار» مراراً الاتصال بوزيرها رمزي جريج، لكن من دون جدوى. ومع هذا السبات الحكومي، أبقى بن جدو طريقاً للديبلوماسية في حديثه خلال المؤتمر الصحافي أمس، إذ أشار إلى «إيجابية موقف الحكومة اللبنانية» التي ترفض الرضوخ لضغوط «عربسات»، معتبراً أن محاولة إسكات و«المسّ» بالحرية في لبنان «خط أحمر». ورغم أنّ نقيب الصحافة عوني الكعكي رفض أن يقام مؤتمر «الميادين» في قاعة «نقابة الصحافة» (الأخبار 6/11/2015)، إلا أنّ بن جدو بقي أيضاً ديبلوماسياً في هذه النقطة، ولم يشأ انتقاد الخطوة بشكل مباشر.