بغداد | أنشودة مطر جديدة، لكن بنسخة من رماد الواقع العراقي. مطر لا «يتثاءب فيه المساء» و«لا يهذي بفعله الطفل قبل أن ينام». هو من قصيدة الخراب الراهن، شاعرها الأوحد هم الناس ممّن ارتضوا لأنفسهم ما هم عليه. مطر يؤكّد عار النخبة السياسية في عراق ما بعد صدام، وهي لم تفلح في بناء منظومة صالحة لتصريف المياه، وليس بناء دولة ورعاية مصالح مجتمع بأكمله.



بعد موجة أمطار غزيرة مستمرّة منذ أيّام، استثمر مثقفون ومواطنون وروّاد السوشال ميديا مناسبة غرق شوارع بغداد للسخرية من الحال التي وصلت إليها البلاد. وهنا يبرز عمل (الصورة على موقعنا) الروائي والمخرج السينمائي مرتضى كزار الذي رسم تخطيطاً لـ«جزمة أسطوريّة» ستخلّد المرحلة العراقيّة الراهنة، بفساد ساستها وغرق أهلها، ومن ثمّ طوفان حياتهم وأحلامهم معاً. صاحب روايات «صفر واحد ــ كمبيوتوبيا» و«مكنسة الجنّة» و«السيّد أصغر أكبر»، يقترح مشهداً تبقى فيه الجزمة في المتحف الوطني العراقي عام 3500 ميلادي، بمعنى أنّه لا ضير من التعبير عن الحقيقة وتجسيد الصورة بموضوعية، فلكل حقبة رموزها وآثارها، ولو شكّل ذلك نكوصاً عن الإرث الحضاريّ القديم، من مسلة حمورابي إلى زقورة أور، مروراً بالثور المجنّح وغيره. كأنّ كزار يقول إنّه لا شيء يوثّق هذه المرحلة ويعبر عنها غير هذه القطعة الإنقاذية لقدم غريق تذوّق مرارة انتظار «العراق الجديد» والإمساك بنبض الأمل فيه.
في العمل الذي يربط الماضي بالحاضر، لا يغفل مبتكره عن استعادة الإرث السومريّ بنقوش من الكتابة المسماريّة، وفي أعلى الجزمة جمع من عراقيّي الراهن، بين نسوة يلطمن على وجوههن، وأخريات يحملن المتبقي من أشيائهن نحو المجهول، لتكتمل صورة التراجيديا العراقيّة.


استثمر روّاد السوشال
ميديا مناسبة غرق شوارع
بغداد للسخرية

مواطن من جانب الرصافة في العاصمة، يقترح، ساخراً، حوارية بين أبي سفيان وخالد بن الوليد من أجواء فيلم «الرسالة» لمخرجه السوريّ مصطفى العقاد، في فيديو لاقى انتشاراً بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعيّ، وفيه: «مرّت خمسة أيّام على مدينة الشعب ولم تنشف (تجف)، ما دام هناك سراق في البلاد لن تنشف أبداً يا أبا سفيان»، «يا أبا سفيان يا أبا سفيان»، «من؟»، «خالد بن الوليد»، «ما وراءك يا خالد»، «لقد غرق حيّ أور والحسينية والمدينة» (أحياء في رصافة بغداد)، «وما حال إبلنا هناك»، «لقد غرقت علوة جميلة كلّها» (أسواق للبيع بالجملة).
عراقيان آخران يبحران وسط الفيضان الهائل في قارب مطاطيّ في حيّهم البغداديّ. يعزف أحدهما على الكمان ويدندن مقاطع من أغنية الفنّان الراحل فؤاد سالم «مشكورة» وبالتحديد منها: «هاي تاليها صفت»، والمشهد كلّه تعجز عن التعليق عليه، فالصورة الماثلة أبلغ وأكثر ألماً ممّا يمكن رصده للقارئ.
ويضع الشاعر مازن المعموري مقطعاً من قصيدة له عن المطر على صفحته في الفايسبوك، فيتفاعل أصدقاؤه مع المكتوب وآنيته، إذ يجدّد تجسيد تقنياته في كتابة قصيدة النثر التي طالعناها في تجارب سابقة له، مثل مجموعته الأخيرة «كائنات سريّة»، محوّلاً اليوميّ بغرائبيته إلى نصّ إبداعيّ، تكون فيه الذات معبّرة عن محنة أمة تتعايش مع اضطرابها وخوفها: «من أجل مطر غامر/ لا تأبهوا له/ إنّه يمسح وجوهنا من دخان البنادق/ وسرف الدبابات المعطوبة/ لا تأبهوا لرشقات الهطول المتعمّد للسماء/ فهي ترطّب سطوحنا باخضرار العشب/ لا تأبهوا له/ سيغرق الفقراء والنازحون/ أما نحن أصحاب البيوت/ فهو مجرّد مسابح مجانية».