لم تتوجّه كاميرات القنوات اللبنانية أمس إلى الشمال، كأنّها أبرمت اتفاقاً ضمنياً في ما بينها على عدم منح حرق الـ KFC في طرابلس أهميةً أو جعله يشوّش على الزيارة البابوية. صورة واحدة احتلّت الشاشات اللبنانية، محتفية بأول وطأة قدم للبابا بنديكتوس السادس عشر على أرض المفارقات المذهلة. ليس بعيداً عن مطار بيروت، كانت هناك صورة أخرى أشد تكثيفاً وتعبيراً، تختصر مشهد الشارع العربي من تونس والمغرب ومصر إلى لبنان وفلسطين بل قل الهند وباكستان: إنّها صورة مبنى KFC الذي أشعله الغاضبون احتجاحاً على فيلم «براءة المسلمين».


لعلّها «نكتة» العصر ــ أو مأساته؟ ــ أن تخرج تقارير أمس تشكّ في وجود الفيلم من الأساس خصوصاً بالنظر إلى رداءة التصوير والمونتاج وغيرها من العوامل التي شكّكت في وجود شريط متكامل! المؤكد أنّ هذا العمل الذي انتشرت منه 14 دقيقة على يوتيوب بثلاث نسخات (واحدة مدبلجة، وأخرى بعنوان «تريلر فيلم محمد»، وثالثة «حياة محمد الحقيقية) عمل غرائزي هدف إلى إشعال الغرائز و... نجح! على طريقة الأفلام البوليسية، انشغلت وسائل الإعلام الغربية وخصوصاً الأميركية في اقتفاء هوية مخرج الفيلم المدعو سام باسيل (الأخبار 13/9/2012). بعدما خرج بعض الممثلين ليعلنوا في بيان لـ«سي أن أن» أن المخرج خدعهم، إذ كانوا يصوّرون فيلماً آخر بعنوان «محارب الصحراء» لا يتعلّق بالرسول، لكنّ باسيل غيّره بالكامل عبر عملية مونتاج، بدأت وسائل الإعلام تفتّش عن باسيل نفسه. تولّت «اسوشييتد برس» القضية لتفضي تحقيقاتها إلى رجل يدعى نقولا باسيلي نقولا ادعى أنّه مدير الشركة التي أنتجت الفيلم وليس المخرج. إلا أنّ تتبع الوكالة لهاتف المخرج الخلوي، والذي عرّف عن نفسه بأنّه سام باسيل، أوصلها إلى عنوان نقولا في لوس أنجليس! عادت الوكالة إلى وثائق في المحكمة الاتحادية لتكتشف أنّ نقولا ذو سجل طويل في الاحتيال المالي، سُجن 21 شهراً و«استعمل أسماء مستعارة منها نيكولا باسيلي، وإروين سلامة». وجاءت الشرطة القضائية الأميركية لتؤكد أنّ نقولا هو كاتب ومخرج «براءة المسلمين» وفق ما نقلت الـ«تايم» أول من أمس. إذاً، باسيل اسم مستعار وأُنجز الفيلم بميزانية متواضعة وليس خمسة ملايين دولار. لكنّ السؤال لا يزال قائماً: ما علاقة أقباط المهجر بالشريط؟ المؤكد أنّ الربط بين الفيلم «المسيء للإسلام» وبين مجموعة من المسيحيين المصريين المقيمين في الولايات المتحدة هو وجود اسم المحامي المصري موريس صادق الذي تولّى مهمة الترويج للفيلم ووضعه على مدونته، ويرتبط بصداقة مع القس الأصولي تيري جونز. حاولت «الأخبار» التوصل إلى معلومات عن نقولا باسيلي نقولا في القاهرة، إلا أن كلّ من سألتهم أكدوا عدم معرفتهم بهذا الاسم. لكنّ المصادر ذاتها، من بينها أسقف في الكنيسة المصرية، فضّل عدم ذكر اسمه قال إنّ موريس هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة في الستينيات، واستقر هناك. وأكدت مصادر قبطية أخرى أنّ موريس شخص يسعى دوماً إلى التحريض على المسلمين. وكان حكم قضائي قد صدر العام الماضي يقضي بإسقاط الجنسية المصرية عن موريس إثر دعوى أقامها عدد من المحامين، اتهموه فيها بالخيانة العظمى، نظراً إلى مطالبته «بفرض الوصاية على مصر ودعوة إسرائيل وأميركا للتدخل في شؤون مصر، وإثارة الفتنة الطائفية». وقد شطبت نقابة المحامين أول من أمس اسم موريس من جدول أعضائها.