يعرف الجميع العميل السري 007 أو جيمس بوند. هو ربما من الشخصيات البريطانية الأكثر شهرةً بعد ملكة بريطانيا، وبالتأكيد أكثر شهرة من ديفيد بيكهام لاعب كرة القدم الشهير (بحسب إحصائية أجرتها جامعة إنكليزية قبل ثلاثة أعوام). ورغم أنّ الشخصية التي ابتكرها إيان فلمينغ تعود إلى عام 1953 (في روايته «كازينو رويال»)، إلاّ أنها لا تزال حتى اليوم فتيةً رغم أن عديد أفلامها قد بلغ 24 حتى اللحظة، والعدد قابلٌ للازدياد، نظراً إلى نجاح السلسلة.


«طيف» هو عنوان الفيلم الجديد من السلسلة الأشهر في عالم الجاسوسية. العمل الذي طرح في الصالات اللبنانية أخيراً، تدور رحاه هذه المرة حول منظمة جاسوسية «خاصة» تريد القضاء على العالم كالمعتاد، وعلى بوند أن يدمّرها وينتصر، ويفوز بالفتاة كما جرت العادة أيضاً.
هي ثيمةٌ بالتأكيد معادة، حتى إنَّ الجمهور سيعتقد أنه يعرف قصة الفيلم حتى قبل مشاهدته. لكن هذا لم ولن يمنعه، لا في السابق ولا لاحقاً، من الاستمتاع بالفيلم كما لو أنه يشاهد أول جزءٍ من السلسلة. حكاية البطل الذي ينتصر على الخير هي جزءٌ من «لعبة» هوليوود السينمائية وحبكتها الدرامية (وإن كان الفيلم بريطانياً، إلا أنه ينسج أسلوب هوليوود المطلق ويقلده بالحرفية ذاتها).


استعمل منديز كاميرا كوداك
35 مم خلال التصوير
أيّ مشاهد لسلاسل أفلام أخرى مهمة وناجحة (هوليوودياً) مثل «روكي»، «رامبو» لسيلفستر ستالون، و«مهمة مستحيلة» مع توم كروز، «الحامي» مع أرنولد شوارزينغر، «مت بعنف» مع بروس ويليس وسواها، يمكنه بسهولة فهم لعبة السينما هذه وسحرها. إذاً، السؤال هنا: لماذا يدخل الناس لمشاهدة هذا النوع من الأفلام؟ ما هو الحافز الذي يدفعهم إلى دخول فيلم يعرفون نهايته؟ تبلغ الإجابة مداها بعد مشاهدة الفيلم، أو على الأقل خلال توقعك لمشاهده إذا كنت قد شاهدت إعلانه. إنها المؤثرات الضخمة، البطلة (أو فتاة بوند كما يسمونها)، وبالتأكيد طبيعة القصة والصعوبات التي سيتغلّب عليها البطل. بالتأكيد هي لعبة التماهي مع البطل الذي يتغلّب على الجميع وينتصر في النهاية على كل ما يضايقه. في الإطار عينه، لا يمكن تجاهل الكمّ الهائل من الأبطال الأوروبيين الذين يقدّمهم الفيلم (عبر مختلف أجزائه)، فغالبية الأبطال (إذا لم نقل 90 في المئة منهم) هم نجوم أوروبيون يكون فيلم «بوند» عادةً فاتحة خير عليهم، وبوابتهم للنجومية والشهرة، وكثيرون منهم لا يكونون قد غادروا حدود بلادهم (تمثيلاً ونجوميةً) قبل أدائهم أدوارهم في هذه السلسلة.
تدور قصة الفيلم إبان مهمة غير رسميةٍ لبوند في المكسيك، وطبعاً كعادته، يفجّر كل شيء، ما يسبب له مشكلةً مع رئيسه تتعقد كثيراً في ما بعد ليوقَف رسمياً عن العمل. لكنه لا يتوقف عن متابعة المهمة التي كانت أوكلت إليه من «السيدة م» (رئيسته السابقة التي قتلت في الجزء السابق من الفيلم). تتعقد الأحداث كثيراً مع ظهور شخصية أرنستو بلوفيلد، الشخصية الغامضة المرتبطة بماضي جيمس بوند، وكذلك بالصراعات السياسية التي تفرضها شخصية «السيد سي» على جهاز الاستخبارات البريطاني الذي ينضوي بوند تحت لوائه. وكي لا تحرق أحداث الفيلم، يمكن فقط الإشارة إلى أنَّ المشاهدين أمام سيل من المفاجآت الكثيرة في هذا الجزء.
يأتي «طيف» بصفته الفيلم الرابع للنجم البريطاني دانيال كريغ في شخصية بوند، وقد يكون الأخير في حال اعتذار كريغ عن الجزء المقبل منه، نظراً إلى الإنهاك الجسدي الشديد الذي تعرَّض له خلال تصويره الجزء الحالي. وتشترك معه في البطولة النجمة الإيطالية مونيكا بيلوتشي التي تبلغ الخمسين، لتكون بذلك أكبر فتيات بوند عمراً، لكن ما تفتقده الإيطالية الحسناء عمراً، تعوّضه شخصيةً وجمالاً، إذ لا يمكن النظر إلى بيلوتشي من دون الركون إلى ما تعطيه النجمة من سحرٍ وجاذبيةٍ خاصة للفيلم. أيضاً هناك فتاة بوند أخرى على عادة السلسلة، وهذه المرة هي الممثلة الفرنسية ليا سيدو التي تلعب دوراً مبهماً إلى حدٍّ ما. سيدو حازت جائزة «سيزار» لأفضل ممثلة عام 2012 عن الفيلم الفرنسي «وداعاً يا ملكتي». ولأن الفيلم لا ينفع أن يكون بغير «شريره»، كان الاعتماد هذه المرّة على عقل وأداء النجم الألماني كريستوفر فالتز وعضلات نجم المصارعة السابق ديفيد باوتيستا (يعرف في WWE بلقب ديفيد باتيستا أي بدون حرف الواو) الأميركي ذي الأصول الفيليبينية. باوتيستا كان أكثر السعداء باختياره لبطولة فيلمٍ بهذا الحجم الذي يعتبر ربما من أهم تجاربه وأشهرها حتى اللحظة. أما بالنسبة إلى فالتز الذي يجيد حرفة التمثيل بكل مقتضياتها (لا يمكن نسيان إدائه الأكثر من رائع في فيلم «دجانغو الطليق» لكوينتن تارانتينو)، فهو يلعب شخصية الشرير كما الطيب بالمهارة والقدرة نفسيهما، ولا يفتر أداؤه في أي شخصية نهائياً. تشارك في الفيلم أيضاً كوكبة من النجوم، يكمل بعضهم الأدوار التي قدّموها في السابق في السلسلة (خصوصاً مع دانيال كريغ) مثل رالف فينز أحد أهم الممثلين البريطانيين، وهو ما ينطبق على نعومي هاريس، وبين ويشو، وروري كينار. أخرج الفيلم البريطاني الشهير سام منديز (لا ينسى الجمهور رائعته «جمال أميركي» American Beauty مع النجم كيفين سبايسي عام 1999). بدأ التصوير في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2014، واستمر أكثر من سبعة أشهر، وصوّره في أماكن عدة بدءاً من لندن إلى روما، وصولاً إلى مكسيكو سيتي والمغرب. منديز استعمل كاميرا كوداك 35 مم في تصوير الفيلم، واعتمد أسلوبه كعادته على الحركة الكثيرة وتثبيت اللقطة إن كانت هناك حاجة لذلك، هذه التقنية التي استخدمها في الجزء السابق الذي أخرجه أيضاً.
ختاماً، فيلم جيمس بوند هو لعشاق النوع: المؤثرات الضخمة، المطاردات العنيفة، النساء الحسناوات، البطل الخارق الذي لا يقهر، وأكثر من هذا كاميرا جيدة ومخرج متمكن بحيث لا تشعر أبداً بأن ما يحدث هو «مجرد» فيلم.

spectre: صالات «أمبير» (1269) ـ «بلانيت» (01/292192) ـ «فوكس» (01/285582)