في مساحة لا تتعدى الأمتار في ساحة اللعازارية في قلب بيروت، تقف رينيه، كريمة المفكر ميشال أسمر، بين كتب تؤرخ زمن «الندوة» (1946ـــ 1975) نافضةً عنها غبار الماضي. تحتضن بين يديها نماذج لتصوّر سينوغرافي للفنان جون لوي مانغي، عما سيكون عليه المعرض الذي تنظمه «مؤسسة الندوة اللبنانية» الحديثة العهد (2010)، ابتداءً من السادسة مساءً من مساء اليوم في فسحة اللعازارية، ويمتد ثلاثة أسابيع، تتخلله ندوات ومحاضرات وكتاب يؤرّخ لهذا الزمن.


لماذا قلب العاصمة؟ ببساطة لأنّ حركة ميشال أسمر الفكرية انطلقت من هناك في أولى سنيّها في القاعة العامة لجامعة «الألبا» (أكاديمية الفنون الجميلة)، كنقطة ارتكاز جمعت النخب الفكرية والسياسية، ضمن ما اصطلح على تسميته آنذاك «الزمن الندوي» ليس في لبنان فحسب، بل أيضاً في العالم العربي، وخصوصاً بعد الاستقلال والنكسة.
فتح صفحة من تاريخ لبنان المضيء بعد مرور أكثر من ربع قرن على رحيل أسمر (1914 ـــ 1984) لن يأتي بصيغة ما صنعه شباب جيله في الأربعينيات، وصولاً الى أواخر الخمسينيات، من خلق حوار وفسحة تلاق بين أضداد السياسة والفكر والعقيدة، في جو من الألفة واحترام الآخر. لن ينظم المعرض في مكان مقفل، ولن يكون هناك منبر دائم تحاضر شخصيات على خشبته، ولا أناس سيستمعون طوال الوقت. ستستعاد تلك الأجواء من خلال كتاب «زمن الندوة بين التاريخ والذاكرة والحاضر» (288 صفحة)، الذي يحكي تاريخ لبنان بين الاستقلال والحرب الأهلية وبيروت، التي كانت في أحد الايام مختبر الحداثة العربية، وشهادات في «الندوة» ومؤسسها من خلال سينوغرافيا تجمع صوراً لـ 400 شخصية حاضرت في ذاك الزمن. ستعلَّق هذه الصور مع صفحات من الكتاب على جدران المباني المحيطة بساحة اللعازارية، وستتمسرح بعض صفحاته قراءة ومشهداً على أيدي المخرج روجيه عساف (اليوم، س:7:00). الكتاب هو خلاصة أفكار ومواد وندوات ألقتها في ساحة «الندوة» وجوه دخلت التاريخ، وأسهمت في صنعه، أمثال كمال جنبلاط والسيد موسى الصدر، وتقي الدين الصلح، وميشال شيحا، ورينيه حبشي، وقسطنطين زريق، وليلى بعلبكي، ومن العرب: الحبيب بورقيبة وبدر شاكر السياب وصولاً الى العالم، مع المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، والمستعرب الفرنسي جاك بيرك. الكتاب خلطة نصوص ولوحات قدِّمت في أسلوب عصري يستسيغه جيل النت، جمعها الصحافي سعد كيوان، الذي أشرف قبلاً على كتاب يؤرخ لمحاضرات «الندوة اللبنانية» عام 1997بالتعاون مع الراحل غسان تويني.
الغاية من كل هذا الجهد هي إعادة إحياء الزمن النهضوي الفكري الذي قاده أسمر، ليس لاستثارة النوستالجيا فحسب، بل تسعى المؤسسة التي تديرها ابنته أيضاً الى تعريف شباب اليوم على أقرانهم في زمن ما بعد الاستقلال، لكن بلغتهم الرقمية، والقول لهم «انظروا ما فعل أسلافكم عندما قرروا صنع وطن»، وفق ما تقول لـ «الأخبار». رينيه أسمر الآتية من العاصمة الفرنسية، تريد أن لا يبقى كتاب واحد يحكي زمن «الندوة» موجوداً على رفوف مكتبتها المتواضعة في اللعازارية إلا يحتضنه الشباب، أو أن يخرج هؤلاء من هذا الحدث وهم يحملون كومبيوتراتهم ويديرون ندوة تسعى ــ على خطى «الندويون» ــ إلى تحقيق حلم التثاقف الفكري والحضاري والحوار الإسلامي – المسيحي، الذي طبع أيام ميشال أسمر قبل أن تغتال الحلم لغة السلاح والنار. الحرب في رأيها فككت كل رابط كفيل بجمع لبناني بشريكه في الوطن، لكن يبقى الأمل ـ كما تقول ـ بهذا الجيل الرقمي الذي سيكون محور ندوة يقدّمها ميلاد دويهي ضمن سلسلة المحاضرات المرافقة للمعرض («الرقمي أسلوب جديد في إنتاج الجماعة» ـ 28/9، س:7:00).
تتكلم رينيه عن والدها اللبناني في الصميم. تلقف الخطر مع تداعيات احتلال فلسطين، وحاول «تعمير» البيت اللبناني الداخلي كما تروي. رأى أملاً كبيراً في زمن «الشهابية» (1958 ـــ 1976) كتجربة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها، لكن سرعان ما تبدد حلمه بعد نكسة حزيران 1967، و«دخول هذا اللبنان في أتون الحروب والصراع العربي – الإسرائيلي». ميشال أسمر لم يكن ليتسلل اليأس الى داخله. ظل حاملاً لواء الإصلاح لغاية موته العبثي، حين قضى في حادث سير مفاجئ عندما «كمنت» له حفرة على طريق قرنة شهوان.

«زمن الندوة: 1946 ــ 1975»: ابتداءً من اليوم حتى 19 تشرين الأول (أكتوبر) ــ ساحة اللعازارية (وسط بيروت) ــ للاستعلام: 03/546180




على البرنامج

يفتتح المعرض عند السابعة من مساء اليوم بقراءات من فضاء «الندوة اللبنانية» تحت عنوان «...وقالوا لبنان» من إعداد روجيه عساف، لتعقبه غداً محاضرة «الرقمي، أسلوب جديد في انتاج الجماعة» (س:700) يلقيها ميلاد دويهي. وعند السابعة من مساء الجمعة 5 أكتوبر، يتحدث المساهمون من كتّاب ومعدين للحدث عن تجربتهم. وستقام محاضرة حول «لماذا وكيف نروي تاريخ مؤسسة وزمنها؟»، و«كيف نصنع كتاباً بهذه المادة؟»، من وحي ما اختبره المنظمون من عوائق خلال إقامة المعرض. بيروت ستكون حاضرة مع المعماري جاد تابت الذي يقدّم محاضرة حول «أوجه المدينة في عصر ما بعد العولمة» (12/10 ـ س: 7:00). وفي اليوم الأخير، يلتقي عضو «معهد القانون الدولي» ابراهيم فضل الله، والوزير السابق زياد بارود ورئيس الهيئة الإدارية في «المركز المدني للمبادرة الوطنية» طلال حسيني، ضمن محاضرة تتناول «القانون وعلاقة الفرد بالجماعة» (19/10 ــ س:7:00).