دمشق | قبل سنوات قليلة، لم يكن حي سوق ساروجة موجوداً على خريطة اهتمام الشباب الدمشقي. كانت حدود خطواتهم تتوقف عند رصيف «المركز الثقافي الفرنسي» المتاخم للحي. فرانكفونيون مؤجلون يرطنون بلغة موليير على أمل التعرّف إلى فتيات فرنسيات جئن دمشق لتعلّم اللغة العربية، والسفر بصحبتهن إلى بلاد الفرنجة. الغرف المؤجرة للأجانب في أزقة الحي الشعبي، قادت خطوات بعضهم إلى عمق الحارة الدمشقية التي خرج منها ذات يومٍ بعيد زكريا تامر، فإذا بها تعج بالمقاهي المرتجلة على الأرصفة.


إغلاق «المركز الثقافي الفرنسي» في دمشق أبوابه، إثر اندلاع الانتفاضة في سوريا، حوّل هذا المكان إلى مركز تجمّع للمثقفين الجدد. شعراء ومسرحيون وتشكيليون يفتشون عن ذواتهم خارج المؤسسات الرسمية. لا مرجعيات صريحة لهؤلاء الشباب، فالأب الروحي هو الفضاء الافتراضي أولاً وأخيراً. هكذا أتوا الكتابة من دون أن يعرّجوا على المكتبات التقليدية إلا في ما ندر. قد يحمّل أحدهم كتاباً من أحد المواقع الالكترونية المجانيّة، أو يكتفي بعبارة من محمد الماغوط، أو محمود درويش، أو غادة السمّان، قرأها على موقعٍ ما، بالإضافة إلى مخزون الأفلام المقرصنة التي يعج بها سوق البحصة المجاور، أو «وادي السيلكون» كما يسميه بعضهم. حالما نغادر ساحة يوسف العظمة في وسط دمشق، ونتوغل في الأزقة القديمة للحي حتى ندخل فضاءً آخر يختلف جذرياً عمّا عداه. اختار مهند ديب بيتاً صغيراً في شارع المقاهي وأطلق عليه اسم «شغل وفن». جذب المشغل عشرات التشكيليين الشباب في ورشات عمل تعتمد الاسمنت مادة خاماً لمعارض في الهواء الطلق.
لكنّ الأحداث العاصفة التي تشهدها البلاد هذه الأيام، تركت أثرها على المشغل. تفرّق رواده تحت وطأة المواقف السياسية المتناقضة، فهاجر بعضهم إلى خارج البلاد، وانكفأ آخرون. على بعد خطوات، هناك مقهى «لا روش». اسم فضفاض لمكان ضيّق يزدحم حول طاولاته المعدودة، عشرات المثقفين الجدد الذين أتوا من أجواء التظاهرات والاحتجاجات قبل أن ينسحبوا من المشهد لمصلحة الحراك السلمي غالباً، في نقاشات صاخبة حول الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد، والثورة المخطوفة، والحواجز، وحملات المداهمة، قبل أن تنعطف إلى المغامرات الغرامية السريّة، والسجائر الملغومة في انتظار أفق آخر. يفضّل وائل قيس (1987) الذي يعمل موزّعاً جوّالاً للكتب في دار للنشر، مصطلح «شعراء الظل» على مصطلح «شعراء مقاهي ساروجة» المتداول تهكّماً في هذا الوسط. يقول مبرراً «جئنا من الظل والعشوائيات والبطالة وغياب اليقين».
ثم يستعرض مكابداته اليومية في عبور الحواجز من أعلى أزقة ركن الدين إلى ساروجة لقضاء وقت مستقطع مع ما تبقى من أصدقائه. قصيدته تشبه تسكّعه إلى حد كبير: «غداً أو بعد غد/ سأبيع نظارتي الشمسية لأشتري «سوزوكي»/ أدخن «الحمراء الطويلة» وأشرب الشاي/ منتظراً الراكب الذي يعجبني لأقله إلى منزله/ سأقول لكِ: أحبكِ/ وتقولين: أحبكَ/ وعندما اتصل بكِ سيجيبني هاتفكِ: «عذراً إن الرقم المطلوب غير موجود في الخدمة بعد». غداً أو بعد غد/ لن يكون هناك شيء يمكن أن نسمّيه الغد». بهذه العبثية، يلتقط هذا الشاعر الشاب مفرداته، من دون أن ينكر تأثره بالشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين (1954 ـــ 1982)، لكن بإضافة توابل جديدة إلى معجمه «حين أتصل بصديق وأجد هاتفه خارج التغطية، فهذا يعني أنه معتقل، وتالياً لا بد من أن تكون هذه العبارة جزءاً من نصّي» يقول. أما حسام ملحم (1984) الذي انتهى بعد خمس سنوات من الاعتقال نادلاً في «لا روش»، فلا يؤمن بالقطيعة مع التجارب التي سبقته. في المقابل، يرى أنّ النخب الثقافية خذلت الشارع. يختزل حسام أحوال شباب مقاهي ساروجة بأنهم أبناء الحياة الافتراضية في المقام الأول، فيما تتلاشى التجربة الحياتية إلى حدودها القصوى، ويضيف: «ليس لدى أغلبية رواد هذه الأمكنة ما يفعلونه أكثر من «تفريغ فائض حكي» حول الطاولات المتناثرة». يستعيد هنا حماسة جيله في إطلاق تجمّع «شمس» (شباب من أجل سوريا) مطلع الألفية الثالثة، بمشاركة شباب جامعيين، وتجربته في معتقل صيدنايا: «هناك كتبت 90 قصيدة، بالإضافة إلى مخطوط شعري بعنوان «فصول» كنت أنوي إصداره في كتاب قبل اعتقالي، ثم تبعثرت أحلامي دفعة واحدة». يختار من أحد نصوصه المقطع الآتي «كُنا ضريرين معاً/ كُنا قتيلين معاً/ كُنا معاً/ من دوننا حلَّ الشتاءْ/ ولكل ذكرى ما يؤرقها/ فما من قبلةٍ تأتي وتذهب دون نارْ». من جهته، يكتب أحمد الحاج (1991): «تلك القبلة في ممر المشاة، بين ساروجة وباب شرقي. سأقبّلك في الريح، فأنا غريب، أفكّر بأن أنتحر بسرعة، من أن أنتحر ببطء، وأن أُدفن حياً في أحشاء هذه المقاهي والحانات». يعلّق وائل قيس ضاحكاً، وهو يمج سيجارته الحمراء الطويلة: «موقع الفايسبوك أقنع معظم الشباب بأنهم شعراء، ولكن عليك أن تتجاهل الركاكة والأخطاء النحوية والإملائية وحتى علامات الترقيم، وإلا.. احذفه من القائمة».




صورة الراهن

يندر أن نجد أحداً من رواد مقاهي ساروجة من دون صفة إبداعية. عدا الشعراء الذين يحتلون المرتبة الأولى، هناك السينمائيون المؤجلون، ذلك أن صفة مخرج يسهل انتحالها في ظل الظروف الطارئة. يكفي أن تصوّر سرّاً، دقائق من تظاهرة، أو لحظة سقوط قذيفة أو اقتحام مكان، وتنشرها على اليوتيوب حتى تنال اللقب. قد تفرز هذه الفترة العاصفة أسماءً سينمائية حقيقية، وخصوصاً لجهة الوثائقي، لكن علينا أن ننتظر طويلاً سينما سورية مفارقة للنوع المتداول.