■ حرب عالميّة ثالثة؟

إذا استكمل الإسلاميّون وصولهم إلى السلطة في جميع الدول العربيّة فسيكون أمامهم احتمالان: الاعتراف بإسرائيل أو إعلان الحرب عليها. في الحالة الأولى تحتلّ إسرائيل العالم العربي سلميّاً وفي الثانية تحتلّه عسكريّاً بعد إنهاء تدميره وقتل أكبر عدد ممكن من سكّانه. وبالطبع ستكون أميركا شريكاً، فلا فرق بين أميركا وإسرائيل. وسيتباكى الأوروبيّون كما تباكى بعضهم على العراق. وتعلن روسيا انحناءها عبر استيائها المتغاضب وتغرق الصين في نومها الأسطوري إلى أن يحين دورها. وسيكون كلام أحمدي نجاد عن محو إسرائيل عذرها لـ«الدفاع» عن نفسها.

نقرأ يوميّاً «وعوداً» كهذه. افتحْ أيّ موقع إلكتروني. آخر ما ابتهجنا به تصريح للأستاذ هنري كيسينجر مُسلّم لبنان إلى سوريا وإسرائيل ومسلّم فيتنام الجنوبيّة إلى الشماليّة ومسلّم تايوان إلى بيجينغ. بيلاطس البنطي بدون غسل يدين. مُضلّل نيكسون والمتبرّئ منه. الصهيوني العريق بلا أيّ تجعيدة. قال في تصريحه إنّ حرب أميركا وإسرائيل على إيران والعرب حتميّة و«سوف تقتل إسرائيل أكبر عددٍ ممكن من العرب وتحتلّ نصف الشرق الأوسط».
تعطّشٌ خالد إلى الدم العربي. ولم يعد يكفيهم سَكبه بأيدٍ عربيّة أوّلاً كما يحصل الآن في سوريا وأحياناً في العراق و«قلبيّاً» في فلسطين. وإنْ لم يُقْتَل فلسطينيّون كلّ يوم ففلسطين نفسها قُتلت. بدأ يقتلها عرفات عندما «احتلّ» لبنان وواصل قَتْلها خلفاؤه وأخصامهم لسعادة إسرائيل وانشراحها. لم تبقَ خيانة لم يرتكبها العرب بحقّ أنفسهم. خانوا زوجاتهم وخانوا عشيقاتهم وخانوا أوطانهم. وقريباً يخونون تعاليم أديانهم وتأنيبَ ضميرهم ويخون ملحدوهم ما تبقّى لهم من عقل.
لم نعرف أنّه سيأتي يوم نترحّم فيه بهذا القَدْر على جمال عبد الناصر.
لم يعد يكفي أميركا وإسرائيل تكفّل العرب بأمر تراجعهم وتفتّتهم. يريدون أن «يساعدوا». أن يساعدوا «مباشرة». أن يمارسوا هوايتهم الملحميّة: الإبادة.

■ ■ ■


■ ومع هذا
الذي يكتب يكسر الصمت.
الذي يكسر الصمت يسلّم سلاحه.
الذي يُسلّم سلاحه يغدو عارياً.
عودة إلى الصمت.
عودة إلى كسره.
يكتب حتّى لا يفقد صوابه.
وأين صوابه؟
في ردم هوّة تبتلع الرَدْم.
يعرف أنّه لن يربح، ومع هذا يَمضي.
وهو وحيدٌ عندما يكتب، وأنتَ وحيدٌ عندما تقرأ.
لكنّكَ تَقْبل به شريكاً وهو يَقْبل بكَ قاضياً.
معاهدةٌ سريّة بين وحيدين يملآن الأرض،
بين قارئٍ يحتاج إلى حبّه ليقرأ، وكاتب مذنب لأنّه كسر الصمت، الصمت الأبلغ من القَدَر، وسوف يظلّ مجبراً على كسره واستحقاق هذا الذنب.

■ ■ ■


■ لعنة الانتباه
قبل أن يجلس إلى الصفحة البيضاء يكون المؤلّف الموسيقي قد امتلأ. لم يبقَ سوى التنقيط، التوزيع، الضبط. يده ستفعل ذلك.
الألحان تتصاعد، الجوقة تصدح، المغني يغرّد، المدى ينفصل إلى المطلق، يغرق السامعون في السحر، وهذه المجموعة من الأصوات والأنغام والآلات، عجباً! لا تُصدر ضجّة بل تُسكت الضجيج، تهدّئ الأعصاب، تجمّد الدنيا لتصغي إلى الأصوات الوحيدة التي تدخل أعمق من الصمت، ما وراء اللغة، فوق السماء، موجدةً في المصغي، بعد انتهاء الحفلة، طبقةً من السكوت الممسوس، إذا رميتَ همسةً أعدتَ السماء إلى الأرض، ووضعتَ المنخطف في حقدٍ عليك.
وهذا ما تفعله بنا الحياة كلّ ساعة، لأنّها ترفض أن يَسبقها الأحياء.

■ ■ ■


■ بيتهوفن
عذراً، لنعش لحظة في جوّ شخصٍ عظيم.
حوالينا تاريخ يصنعه لنا أعداؤنا بدمنا. القتلى أرقام. ولا أحد في مستوى ما يحدث. لا أحد إلّا حفنة من فرسان الوعي، وهم يتزايدون في العالم العربي رغم التجييش المخيف للغرائز. فرسان معقودة عليهم آمال توعية وإنقاذ وقيادة لم يُعقد بمثل ضخامة مسؤوليّتها يوماً أملٌ مماثل.
لنعش قليلاً في جوّ شخصٍ عظيم.
لنهرب إلى ماضٍ يُشعّ علينا بشمس الماضي الخمريّة الشقراء.
لنقم بهذا الجهد المخالف لأهوال حاضرنا.
السابقون لاحقون.
كان ذلك مكتوباً على جباههم.
سابقون بمعنى سبقونا في الماضي ويسبقوننا في الحاضر وسوف يظلّون أمامنا كالأيدي الممدودة للخلاص.

■ ■ ■


بيتهوفن. لودفيغ فان بيتهوفن. عذراً من القارئ. كاتب هذه السطور لاجئ دائم، وحيث يجد المعونة يستعطيها. وجدتها مرّة أخرى قبل أيّام في موسيقى بيتهوفن. أجدها دائماً في أغانينا وصوت فيروز وألحان الأخوين رحباني، لكنّي خلال أيّام كنت بحاجةٍ إلى ما هو أشدّ صراخاً، ربّما ليعفيني كما أُعفيَ هو من السمع.
عذراً، هذه الكلمات صدىً لما عيّشني فيه جوّ شخصٍ عظيم.


■ ■ ■


اللحن الهاجس الملحاح، قصيدةٌ واحدة متنوّعة النغم. عليلٌ مشرئبّ كإلهٍ مستوحد، يهجم إذ يتراجع، ينكسر وهو يهجم. بلبلٌ وقبيلةٌ متوحّشة، فضاءٌ على رحبه يختنق من قلّة هوائه فينفجر شموساً وأنهاراً. اختناقٌ يوسّع الفضاء، انحباسٌ يُكبّر الحريّة، عزلةٌ تزهر حياةً، صَمَمٌ بَطَل: العبقريّة الجريحة تنزف صحّةً وعافية وإخاءً هائلاً، ومحبّةً تفيض على كلّ صلاة. أَنْزَلَ الموسيقى إلى القلوب كما يُنزَل القربان المقدّس. موزار قَبْلَه أنزلها كالروح وبيتهوفن أنزلها كالجسد، ولكنّها أرواحُ الآلهة، ولكنّه جسد الإله، والآخرون، قبلهما وبعدهما، رُسُلٌ وأنبياء. قد يكون باخ إلهُ الآلهة، وإنّما إلهُ الآلهة نافسَه آلهةٌ أصغر منه وأروع، أكثر رحمةً وجمالاً.
حين انغلق بيتهوفن تفتّح عطاؤه وكأنّه كان رهناً بعاهته. كان «يحتاج» إلى الصعاب ليغالبها ويتغلّب عليها ويشعر بقوّته. مصارعٌ كئيب ومتكبّر ونشوان، استعاض عن حبّ النساء بعبادة الطبيعة، ويوم كان لا يزال يَسْمع، خلّدها بالسمفونيا السادسة «لا باستورال». وكما افتقد العشق النسائي افتقد ذوي الأنفة والأخلاق، فاستعاض عنهم بتمجيد المتمرّدين أمثال كوريولون وأغمون وبروميثيوس، ولولا قليل لمضى في تمجيد نابوليون كبطل للثورة الفرنسيّة، غير أنّه صُدم به يوم نصّب نفسه أمبراطوراً، فمزّق الإهداء الذي خصّه به على الصفحة الأولى من السمفونيا الثالثة، «سمفونيا البطولة»، وقال عنه باحتقار: «هكذا سقط القناع وبان الرجل مجرّد إنسانٍ عادي. سوف يدوس هذا الشخص جميع حقوق الإنسان! لن يأبه لغير طموحه وسوف يضع نفسه فوق العالم، كما فعل قبله جميع الطغاة».
هذا الوحيد الأصمّ عاش في الواقع مع صُوَر خياله وتموّجات حياته الداخليّة. تألّم جدّاً للحظوة الفائقة التي نالها روسّيني لدى أهل فيينّا، وانقهر قهراً لصعود نجم ملحّني الفالس وعلى رأسهم جوهان شتراوس، فيما كان بيتهوفن يغوص في الفقر والبؤس والمشكلات العائليّة. ومع ذلك واصل خَلْقه، ومعه واصل مدّ الجسور بين موسيقى «الباروك» وطلائع الرومنتيكيّة، وصولاً إلى فاغنر، فاغنر الذي، لدى سماعه السمفونيا التاسعة، هذا النشيد العظيم للفرح، هَتَف: «إنّي أؤمن بالله، وبموزار، وبيتهوفن!».
لكنّ بيتهوفن لم يرث عن موزار سهولته في التأليف. كان يعيد التنقيح عشر مرّات بل عشرين، والنسخ الموثّقة من مؤلّفاته لا تُقرأ فرط ما شَطَبَ وصَحّح وأعاد وغَيّر. كان موزار هواء الموسيقى. كان أَجنحتها المخلوقة خلْقةً. في ساعات كان يبدع تحفاً. دون تصويب نوطة، دون إعادة. ولحّنَ كأنّه لم يلحّن إلّا سعيداً. مع أنّ حياته كانت في معظمها مأساة. أُعطيَ الرشاقة هبةً من السماء. الرشاقة والعفويّة والسليقة. لم يُعطَ لأحدٍ في التاريخ الأثيريّة التي أُعطيت لموزار، والبسمة الفتّانة التي انطبعت على وجه موسيقاه، كأنّها مَرَح الدهور.
بيتهوفن، على العكس، خاض التأليف كمعركة حياةٍ أو موت. كان بينه وبين الألم حلفٌ جهنّمي: أعطيك فتعطيني. وكلا بيتهوفن والألم خضعا لسوء تفاهم هلاكيّ، وخلّاقٍ بقدر ما هو هلاكيّ: الألم يفترس الصقر، والصقر تحت نهش الألم يمعن تحليقاً. إنّ السمفونيا الخامسة هي هذا: زدْني ضرباً أَزدْكَ عطاء! كأنه يطرق على بوّابة قبر ليقيم المُسجىّ من نومه. وبالفعل يقيمه. وتغدو الموسيقى عروساً في موكبها. وينسحب جو الخامسة المتوتّر لندخل في جوّ حبور التاسعة، سمفونيا الفرح الكبرى.

■ ■ ■


عام 1814 كان تاريخٌ آخر. عزفٌ على البيانو يحييه بيتهوفن في فيينا، مُسَتّراً على صممه. بعد ذلك بثماني سنوات أراد، رغم استفحال الصمم، أن يقود بنفسه الأوركسترا في تمرينها الأخير، قبل الحفل للجمهور، على أوبّرا «فيديليو». كان كمَن يحاول إقناع الجمهور بأنّه انتصر على عاهته وتعافى. وقاد الأوركسترا. وظلّ يقودها، يقود المغنّين والعازفين، رغم أنّ الأوبّرا انتهت. لقد انقطع كلّ اتصالٍ بينهم وبين المايسترو. راحوا يحدّقون إليه مذهولين بهذا المعلّم الذي واصل القيادة وسط بحرٍ من الصمت، كبحّارٍ مجنون يقود سفينة وهميّة في بحرٍ وهميّ. وجاءه من صديقٍ في القاعة كلمة على ورقة: «أرجوك، أرجوك، أستحلفك بالله، لا تُتابع. في المنزل أشرح لكَ السبب».
ولاذ بيتهوفن بالفرار كتلميذٍ رسب في امتحانه.

■ ■ ■


للحقيقة، المؤلّفون هم هذا المعلّم الذي يظلّ يؤلّف ويقود بعد أن ينتهي الآخرون من أداء أدوارهم. المؤلّف، للحقيقة، هو هذا التلميذ الراسب رغم عظمته. المؤلّف لا يتوقّف عن التأليف. صاحياً أم نائماً. حيّاً وميّتاً. لا يرسب إلّا في عيون الراسبين، للحقيقة. الجمهور الوهميّ هو جمهوره الفعلي. هو أخوه وأمّه وأبوه ورحمته. هو ذاته. هو رأسه. هو الرحم التي وَلَدته والرحم التي سيعود إليها.
أحسَّ بيتهوفن ذلك النهار بالعار.
لقد أشعره محيطه بالخجل من نفسه. بأنّه مهرّجٌ خَرِفٌ أحمق.
عملاقُ السمفونيّات سقط في الفحص الاجتماعي. مع أنّه فحص الرفاق والزملاء.
اكتشف بيتهوفن أن لا رفاق ولا زملاء. المؤلّف وحيدٌ في العاصفة. وكلّ لحظةٍ من حياته عاصفة. «لقد أنجزتُ عملي» قال وهو يستقبل سكرات الموت. بعدها بيومين، مساء 26 آذار 1827، وسط عاصفةٍ ثلجيّة أخذت بضرب فيينا، انطفأ بيتهوفن. أسلم روحه إلى مَن قد يحتملها. وفي اللحظة ذاتها، مزّق البرقُ السماء وأعقبه رعدٌ شديد.
لم يكن عند سريره أحد. غريبٌ من الغرباء أغمض له عينيه.
لا رفاق ولا زملاء. وحدها الرفيقة الزميلة العاصفة.