قد يستغرب بعضنا أن تكون الاحتفاليّة المميّزة التي يخصصها روجيه عسّاف وشركاؤه للمسرح العربي الجديد، ابتداءً من اليوم في بيروت، معقودة تحت لواء «الربيع العربي». وحدها «الديموقراطيّات» الغربيّة ما زالت تتشدّق بـ«ربيع» لا يعنيها إلا من زاوية مصالحها الاستراتيجيّة، ولا تريدنا أن ننتبه إلى أنّه انقلب كابوساً دمويّاً، من شأنه أن يحجب لعقود طويلة مقبلة ــ وهذا أفضل لها طبعاً ـــ أي أمل بالتقدّم والعدالة والسلم الأهلي والتنمية والتغيير.


لم يبقَ في المركز الأوروبي مهرجان، أو تظاهرة، أو مؤتمر، أو ندوة، أو إصدار خاص بالعالم العربي، إلا وتاجر بهذا «الربيع» المسكين. وقد دخل في الهيصة بعض المبدعين والمثقفين والكتّاب العرب للأسف، واستغلّوا هذا الكرنفال مستفيدين من قدراته الإنتاجيّة والترويجيّة والتسويقيّة.
الربيع العربي أجهض مبكّراً، سيّداتي سادتي، لمن لا يزال يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة اللئيمة. لقد انتزع عنوةً من شعوب انتظرته طويلاً، وبذلت في سبيله تضحيات كبرى وخسائر مؤلمة. احتوته القوى الاستعماريّة الكبرى، بالتآلف مع البنى القمعيّة والرجعيّات القائمة، حتّى انقلب بلمح البصر خريفاً ما بعده فصول. واليوم لا يكاد يبقى من التسمية سوى طعم المرارة، ورعشة الخوف، ووقع الخديعة، وأضغاث حلم بعيد… لكن ذلك لا يمنع من مواصلة العمل من أجل ثورة أخرى وربيع آخر. ومن هذه الزاوية أعطيت التجارب البديلة «منصّتها» في بيروت تحت راية الأمل. كلا المسرحي والمثقف النقدي لم يركب هو ورفاقه موضة زائفة. «الربيع العربي» يستردّ كل معناه خلال الأيّام المقبلة، في «دوْار الشمس» وفضاءات بيروتيّة أخرى («مونو» و«زيكو هاوس» وصالة «المعهد الفرنسي»). للثقافة منطق آخر، ولغة أخرى. والتجارب الآتية من تونس ومصر ولبنان والعراق وفلسطين، تحمل مخزون الألم والأمل لدى جيل جديد آمن بالتغيير ويسعى إليه. الربيع العربي يبدأ إذاً على المسرح من حيث انتهى على أرض الواقع. لنستمع لهنّ: الحكواتيّة شيرين الأنصاري تستعيد «٢٥ يناير» في وسط البلد من وجهة نظرها الذاتيّة، سندس شبايك تعيد الاعتبار إلى «المسرح الوثائقي» في استعادتها لـ ١٨ يوماً هزّت العالم. كريستيل خضر تبحث عن مدينة هزمها البلدوزر. التونسيّة ميريام بوسالمي، تراجع العلاقة بالسلطة من خلال المؤسسة البطريركيّة التي أخذت ذاكرتها بالتآكل. اللبنانيّة مايا زبيب تستدرجنا إلى رحلة بين غرف اللاوعي الجماعي الذي يحدّد معالم الأنوثة المستغلّة، وذكورة متأرجحة بين امتيازات الضحيّة ومؤهلات الجلاد. والرجال طبعاً: عصام بو خالد يترك لفرقته المدهشة من البكم والصمّ أن تقول نظرتها للربيع العربي. أحمد سمير ومحمد حبيب في الأتون المصري. مهنّد هادي يقول الخيار العراقي بين موتين. طيف فرانسوا أبو سالم من خلال تقديم عمله الوصيّة الذي يبحث في الدماغ الفلسطيني والعربي عن أسباب الربح والخسارة والاستشهاد والانتحار. حتّى هذه اللحظة، ما زال الممثّل الذي سيؤدّي دور فرانسوا معتقلاً في إسرائيل.

تم تعديل هذا النص عن نسخته الورقية بتاريخ | 15 تشرين أول 2012