القاهرة | تستطيع القول إنّ العروض المسرحية المشاركة في «منصة» مشغولة بسؤال وحيد عما جرى ويجري في مصر منذ أحداث «25 يناير». يسعى محمد حبيب في عرضه «صدى صوت» (16/10 ــ س:20:30 ــ مونو) إلى إعادة بناء الحكاية التي أنتجت تواترات واقع مصر ما بعد الثورة. فيما تريد سندس شبايك في عرضها «حكاوي التحرير» (19/10 ــ س:19:00 ـــ دوار الشمس) الحفاظ على ذاكرة الثورة المصرية من التفسخ وتبقيها في حالة حيّة وطازجة. تلعب شبايك وفريقها لعبة المسرح كمن يقيم بناءً من لعبة الـ«بازل».


يمكن دائماً الوصول الى عشرات الاحتمالات، انطلاقاً من مكعب واحد اسمه الثورة. وميزة هذه اللعبة أنّها في كل مرة تكتسب خيالاً جديداً ويسهل فيها أيضاً الحذف والإضافة. إنّه عرض مفتوح، يصعب أن تصل معه الى تصور نهائي مكتمل، يتشابه إلى حد كبير مع أحداث الثورة نفسها التي تأخذ مسارات تراوح بين الصعود والهبوط. لكن ما يميز عرض «حكاوي التحرير» أنّه سبق الجميع في ذهابه الى الحدث الرئيس، ومنه تناسلت عروض كثيرة قدمت روايات أخرى عن الثورة، لم تكن روايات بديلة لكنها متجاورة بطريقة تشكّل جدارية لذاكرة هذا الجيل المسكون بالتغيير.
اعتمدت شبايك على جمع شهادات حية، ودعت مئات الناشطين والمواطنين الى تقديم ما لديهم من حكايات ومن صور ووثائق ساعدتها كلّها في بناء عرضها الذي يمكن أن تشاهده اليوم كسردية مقاومة لسرديات التلاعب التي يجري إمرارها الآن حول حوادث رئيسية في الثورة المصرية. «موقعة الجمل» التي حُكم على المتهمين فيها بالبراءة قبل أيام، سيعاد تجسيدها ضمن رواية شديدة الشفافية لا يدعي صاحبها بطولة. إنّه يريد فقط أن يقول حكايته كطائر متروك في وحشة. يعاد تقديم هذه الحكايات على المسرح عبر مرويات، فيها الكثير من الشجن والألم، مستندة إلى معنى البوح أكثر من صيغة يقين يمكن أن تنتهي إليها، ربما لأنّ العرض بحد ذاته في حالة مسرحة مستمرة.
واستمراراً لصيغة الحكاية، لكن انطلاقاً من خبرة أكبر، تأتي شيرين الأنصاري التي ظهرت في عروضها الأولى قبل نحو 12 عاماً لتعيد خلخلة تصورات عن ركود الشكل المسرحي. منذ البداية، رأت شيرين الأنصاري نفسها وريثةً شرعية لصوت شهرزاد، ولم تره قطّ صوتاً مقموعاً، فهي سيدة الحكاية التي كانت أيضاً رائدة في رهانها على هذا الشكل التراثي ودفعه ليأخذ حضوره في الذاكرة المسرحية الراهنة.
بدأت الانصاري التي قدمت عروضها الاولى على مسرح «الهناجر» و«الجامعة الأميركية» في القاهرة من حكايات ذات حضور في الذاكرة العامة وأعادت روايتها انسجاماً مع انحيازات نسوية واضحة ثم ذهبت أكثر باتجاه الخبرات الشخصية وإعادة بناء الراهن.
تبدو الذاكرة التي تراهن عليها غارقة في التشظي، لكنها قادرة على التشبث بفضاء ما. حكت الأنصاري للناس في المترو والشوارع والمقاهي وهجرت القاعات الدافئة وجمهورها البارد المستقر وآمنت بأنّ «الكلام في الناس». في عرضها الجديد «هدى ليل نهار» (18/10 ـــ 19:00 ــــ مونو) الذي يعيدها إلى المشهد المصري مجدداً، تريد الأنصاري أن تقدّم تصوّرها للثورة من مساحة ذاتية تماماً كما رأتها في الشارع الذي تسكنه في قلب وسط البلد. وأخيراً يأتي عرض «قنابل مسيلة للحرية» (18/10 ــ س:20:30 ـــ مونو) لأحمد سمير مليئاً بالإسقاطات. مع عصام عمر، ومحمد بريقة، وعبير علي، يقدّم أحمد سمير صورة عن الحكم العسكري الشمولي بين «ما حدث بالفعل في ايرلندا الشمالية عندما قتل الجيش المتظاهرين السلميين، وبين أحداث مجلس الوزراء في مصر».