خماسي جديد يطلّ من خلاله ظافر يوسف مساء اليوم على جمهوره البيروتي في «ميوزكهول»، يرافقه ضيفان نروجيان مميزان سبق أن تعاون معهما مراراً من قبل، هما: عازف الغيتار إيفيند أرسيت، وعازف الترومبيت نيلز بيتر مولفير. مغنٍّ، وعازف عود ومؤلف. إنه موسيقي متكامل، لكن مسيرته لم تأتِ بطريقة تقليدية؛ فقد بدأ تعلّم الغناء الإسلامي التقليدي في عمر الخامسة، وتشرّب المناخات الصوفية حتى أضحت جزءاً من كيانه، ونقطة انطلاق في مسيرته الموسيقية. لكن ذلك لم يمنعه من الانفتاح على الموسيقى الغربية بعد انتقاله للعيش في فيينا، فطُبعت موسيقاه بالتنوع والغنى من ناحية الأصوات والألوان والآلات المستخدمة في التأليف والتوزيع. على سبيل المثال، ألبومه الأول «ملاك» الذي أصدره عام 1999، يمزج بين الشاعرية العربية والقوة الإيقاعية وارتجالات الجاز، ونسمع فيه آلات متنوعة مثل العود والغيتار الـ«تامبوران» (نوع من الدف) وغيرها من الآلات الغربية والشرقية التي أجاد جمعها.


عندما نقرأ عن سيرة هذا الفنان، ندرك حقاً معنى كلمة عصامي. العيش مع سبعة أشقاء وشقيقات في عائلة فقيرة لم يسهّل الأمور على ظافر الصغير. لم تسمح ظروفه المادية بمتابعة دروس موسيقية أو شراء آلة. اقتصرت الدروس الغنائية التي تلقاها على ما تعلّمه من المدرسة القرآنية، والموسيقى التي يسمعها على الراديو، محاولاً حفظ الألحان، وتأديتها سماعياً على عودٍ صنعه بنفسه. امتزاج الموهبة مع الرغبة الشديدة في التعلّم، جعل الحظ يبتسم له أخيراً، حين جاءته إمكانية السفر إلى فيينا. هناك حصل على فرصته الحقيقية في الانفتاح على موسيقيين بارزين، تمكن من الغناء والعزف معهم في أحد نوادي الجاز المعروفة في العاصمة النمساوية. صحيح أن موسيقى يوسف هي في روحها عربية وتونسية خصوصاً، لكنها منفتحة على موسيقى العالم. هكذا، بعد اكتشافه موسيقى القارة العجوز، راح يتأثر بأنماط مختلفة من الجاز والكلاسيك وغيرهما. لم تكن الموسيقى بالنسبة إليه محددةً ببلد ما أو بنوع معيّن، وهو ما يفسّر تمازج الأنواع في أسلوبه. من الهند إلى أميركا والنروج، كوّن يوسف لنفسه ثقافة واسعة في الموسيقى العالمية بفضل لقاءاته بموسيقيين مثيرين للاهتمام ورحلاته في مختلف أنحاء العالم.
الحديث عن علاقته بالموسيقى النروجية يتجدد بتعاونه في حفلة الليلة مع إيفيند أرسيت، ونيلز بيتر مولفير. تعود معرفة يوسف بالأخير إلى ما بعد أحداث أيلول 2001. في ذلك الوقت، كان قد قرر مغادرة نيويورك والاستقرار في باريس. ثمرة التعاون بين الاثنين تجلت في ألبوم يوسف الثالث «نبوءة رقمية» Digital Prophecy الذي طُبع بروحانية الموسيقى النروجية. قد يتساءل البعض عمّا يجمع بين موسيقى بلدين مختلفين تماماً، إلا أن يوسف أكّد مراراً أن ما وجده لدى الموسيقيين النروجيين من إحساس «أفريقي» لم يجده لدى غيرهم، حتى لدى الآتين من القارة الأفريقية. عُرفت فرقة ظافر تلك بالـ«جاز – نو» (Jazz Nu)، وهو مصطلح بدأ يطلق في أواخر تسعينيات القرن المنصرم على نوع من الجاز الذي تمتزج فيه أنواع أخرى مثل الموسيقى الإلكترونية والفانك والسول.
أصدر ظافر يوسف خمسة ألبومات حتى الآن، جمع بينها ميله الواضح إلى المزج بين الأساليب الموسيقية المختلفة. وعلى الرغم من أن مؤلفاته تصنَّف غالباً في خانة الـ«فيوجن»، إلا أن الفنان لا يحب التحدث عن هذا الـ«إتيكيت» الذي يلُصَق على موسيقاه، فهو يعتبر أنه ينجز الموسيقى التي يشعر بها والتي نشأت نتيجة تراكم تجاربه واحتكاكه بحضارات وأنماط متنوعة؛ إذ يمكن أن نسمع في ألبوماته موسيقى إلكترونية، ويمكننا أن نسمع التأثير الهندي الذي يعود إلى معرفته بعازف الإيقاع جاتيندر ثاكور. إلى ذلك، تجد الإيقاعات الأفريقية مكاناً في موسيقاه، من دون أن ننسى الآلات الكلاسيكية الغربية والشرقية. كل ذلك أدى إلى موسيقى غنية بالأصوات والاستكشافات، وبعيدة عن الأنماط المعهودة.
مجموعة من الأغنيات والمقطوعات الجديدة سيخصّ بها ظافر يوسف اللبنانيين أولاً، وستكون الليلة في انتظار محبّيه الذين قد لا يتمكن جميعهم من الحضور، نظراً إلى ضيق المكان. هكذا، سيكون على هؤلاء أن ينتظروا بحماسة ما سيتبع ألبوم يوسف الأخير «رابسودي أبي نواس» الذي تضمّن أغنيات مبنية على أشعار لأبي نواس، مع مزيج من الروحانية والأنماط العصرية التي تمنح موسيقاه سحراً خاصاً.

حفلة ظافر يوسف: 21:00 مساء اليوم ـــ «ميوزكهول» (ستاركو ــ بيروت) ـــ للاستعلام: 01/999666




رقصة الدراويش

ولد ظافر يوسف في تونس عام 1967، وتنقّل بين بلدان أوروبية وأميركية عدة قبل العودة للاستقرار في تونس منذ أربع سنوات. وكان قد شارك في ختام «مهرجان قرطاج» في آب (أغسطس) الماضي. وقدّم عرضاً بعنوان «رقصة الدراويش المخفيين»، وهو اسم استوحاه كما قال في إحدى مقابلاته من ناقد ألماني استطاع أن يرى عبر موسيقاه دراويش غير مرئيين يرقصون. www.dhaferyoussef.com