«ليبان جاز» (كريم غطاس) يدعو ظافر يوسف إلى لبنان للمرّة الرابعة. لم نهمِّش في صفحاتنا الفنان التونسي، فكانت لنا وقفة معه قبل زيارتيْه السابقتيْن، وعُدنا في الزمن إلى العام 2004 لنذكِّر حتى بحفلته الأولى التي سبقت صدور «الأخبار».

لكنّ تكرار الزيارات يدفعنا إلى مقاربة مختلفة اليوم، رافعين سقف النقد، مع الإشارة إلى أن ما ورد في هذه الصفحات خلال السنوات الماضية، من إضاءة على إيجابيات تجربة ظافر يوسف وسلبياتها، لا نزال نتبنّاه بتفاصيله.

ظافر يوسف صاحب تجربة جديدة (لم تعد كذلك بسبب الاجترار). صوته قوي. شخصيته منفتحة. لا يشكل حالة فريدة في العزف على العود ولا هو طليعيٌّ في الموسيقى الإلكترونية ولا يضاهي المُجوِّدين الكبار في أسلوبه في الغناء ولا يعتنق الجاز بمعناه النبيل.
إذاً، كل ما لديه هو خلطة أثارت الفضول في البداية، لكن تكرار المُكرَّر وضعنا أمام صرعة صوفية حديثة تحتاج إلى استشراق الغرب لتسويقها ودعمها إنتاجياً وإلى دعم إعلام الشرق لتكريسها شعبياً.
ها هو زاهي وهبي يقدّمه لـ«محور الممانعة» حين استضافه منذ أسبوع في قناة «الميادين» ضمن برنامجه «بيت القصيد»، بعدما دعَمَ حضوره في المحور المقابل من خلال حلقة خاصة على «المستقبل». وها هو كريم غطّاس يدعوه إلى مهرجانه (ليبان جاز) ذات العنوان المثير للجدّية لدى الجمهور العريض وللجاذبية لدى النخبة، لكن البعيد عن فنّ ظافر يوسف (رغم تطعيم بعض ما قدّمه بالجاز الأوروبي).
يمكن شرح ظاهرة ظافر يوسف وحفلاته المتكرِّرة في لبنان، ونظرة «السمّيعة» (غير القابلين للتضليل) إلى تجربته من خلال هذا المثل البسيط: يأتيك مَن يعرف أنك ملمٌّ بالسيارات ويدعوك إلى حفل إطلاق سيارة لم ترها من قبل. تتحمّس حكماً، ولا يهمّك إن كانت قبيحة أو جميلة. أعجبتك أو لم تعجبك، سترى في مشاهدتها فائدة. الفائدة الكامنة في كل جديد. يأتيك بعد فترة، ويقدِّم لك السيارة ذاتها، وفي أحسن الأحوال يكون لونها هو الذي اختلف ليس إلا. وهكذا دواليك.
لعلّه يمكن تشبيه تجربة ظافر يوسف بهذه السيارة، فمشروعه لم ينتقل إلى مرتبة أخرى، بل راوح مكانه من دون أن يشهد أي تطوّر... على أمل أن يفاجئنا ألبومه الجديد الذي سنسمع مقتطفات منه الليلة.