لم يعد الكلام على فلتان أو تحريض وإثارة الفتن من قبل بعض وسائل الإعلام المحلية بالأمر الاستثنائي. على ما يبدو، كرّس نفسه قاعدة ثابتة عند كل استحقاق، وبات «منح» هذا الإعلام شيئاً من الاسترحام والمداراة مقترناً بالكثير من السذاجة.

منذ أن انتشر خبر استشهاد رئيس فرع المعلومات في القوى الأمن الداخلي اللواء وسام الحسن في تفجير الأشرفية، وُضع الضحايا الأبرياء على الرفّ. خبر الاغتيال قلب المعادلات وكشف عورات الإعلام اللاهث خلف الإثارة والفضائح ومشاهد الدماء والأشلاء المتناثرة بين السيارات وعلى الأسفلت وانتهاك حرمة الجرحى في المستشفيات.

دشنت وسائل الإعلام لمرحلة جديدة ــ قديمة من الاستقطاب وشد العصب في محاولة لاستعادة مشهد عشية 14 شباط 2005 بكل تجلياته وشعاراته وأهدافه.
ربما لم يجادل أحد على أجندة إعلام 14 آذار وأهدافه وكذلك الثامن منه. لكن اللافت هذه المرة كان اصطفاف «الجديد» مع بقية وسائل الإعلام الموالية لـ 14 آذار، حتى بات يزايد عليها أحياناً من حيث نقله لما تبثه mtv في تغطيتها المباشرة من موقع التفجير، ويُبرم تعاوناً غير مكتوب لكنه مرئي بالتأكيد مع «المستقبل». تجلى ذلك أول من أمس عندما استضافت محطة «الجديد» علي حمادة الخارج من ثوب الـ«توك شو» إلى عضوية أمانة 14 آذار، وبولا يعقوبيان (المستقبل) التي تولّت مهمة التحليل والتعليق على حادثة الاغتيال. ولم تكتف «الجديد» بهذا الانتقاء للشخصيات الإعلامية المحسوبة على 14 آذار، بل استكملته ليلة الأحد في حلقة خاصة من «الأسبوع في الساعة» مع جورج صليبي من ساحة الشهداء؛ إذ استضاف حصراً ممثلي الحركات الشبابية لـ 14 آذار مقابل غياب تام للطرف الآخر. وأمس، عمدت القناة التي تدعي الوسطية إلى إفساح المجال أكثر لهذه القوى. وبعيداً عن الاستضافات ونوعية الضيوف، فأي مدقق في خطاب «الجديد» الذي كانت مقدماته الإخبارية النقدية لا توفّر الراحل وسام الحسن، سيلحظ نقلة غريبة عجيبة تجلت في مقدمة نشرة الأخبار أول من أمس. خال المشاهد أنه أخطأ في ترددات القناة عندما وُصف الحسن «بالشهيد الذي سيجاور رفيقه الشهيد (..) الذي تركه قبل سبع سنوات عقيداً ويستقبله غداً لواءً في عز الشباب». لم يكن تقرير رامي الأمين في النشرة عينها بعيداً عن هذه الأجواء. حرص على إظهار الحسن بالرجل الأمني صاحب العلاقات الجيدة والندية مع الصحافة.
«وسام الحسن شهيداً» شعار رفعته كل من «المستقبل» وmtv مع تبني الأولى لمنظومة حراك 2005 من الكليبات المذكّرة بتواريخ الشهداء الذين سقطوا اغتيالاً وأسمائهم مع صورة ثابتة للواء الحسن على يمين الشاشة. أما «المنار»، فكما جرت العادة، واكبت الحدث مهنياً من دون الدخول في التسييس، واقفةً عند هول الجريمة ومستنكرة المشاهد المسلحة التي ظهرت في بعض المناطق، وخصوصاً في الشمال. وهكذا فعلت زميلتها nbn التي خرقت «رتابة» ضيوفها وإضاءتها على الحدث، عبر بث مشاهد حصرية تظهر اللحظات الأولى لتفجير الأشرفية الذي دوى على دفعتين. والحدث البارز هنا هو نقل LBCI ليلة الحادثة. قبيل البدء بنشرتها المسائية، نقلت تغطية CNN للتفجير مع ولوجها في عملية الترجمة. وهنا ترتسم علامة استفهام كبرى حول سبب النقل وأهدافه، وخصوصاً أنّ الحدث لبناني محض، عدا الرسائل التي مررتها CNN في اتهامها المباشر لسوريا في ضلوعها في جريمة الأشرفية، وهو الأمر الذي ينسحب تلقائياً على LBCI في تبنيها لخطاب القناة الأميركية!
في معمعة الأداء الإعلامي، لا بد من التوقف عند أمر لافت، ألا وهو «إعادة إحياء» لبعض الوجوه التي نسيتها الشاشات لسنوات، أبرزها النائب السابق إلياس عطا الله، إضافة إلى ظاهرة أخرى هي تولي بعض المذيعين دفة التجييش والتحريض السياسي، أبرزهم نديم قطيش ومي شدياق التي كانت نجمة الشاشات ليلة التفجير على LBCI وفي اليوم التالي على mtv، وكانت أيضاً نجمة ساحة الشهداء يوم السبت بوصفها خطيبة جماهيرية في المشاركين.
وأمس، بلغ مستوى التحريض والتجييش ذروته. مهرت «المستقبل» شاشاتها بشعار إضافي: «يوم الصدق» تيمناً بالمصطلح الذي استخدمه الرئيس السابق سعد الحريري في تعليقه على عملية الاغتيال، مع استضافتها لأبرز وجوه الفتنة والتحريض النائب خالد الضاهر الذي اتهم قوى 8 آذار بحماية قتلة الحسن، ولم ينسَ التعريج على سلاح المقاومة. حفلة التهديد والتحريض مرّت بـ MTV طبعاً مع نائب رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» سجعان قزي الذي رفع مستوى التهديد إلى القول: «الميدان بالميدان والسلاح بالسلاح والكلمة بالكلمة». فيما شرع مراسل LBCI بسام أبو زيد قبل بدء التشييع بالتحليل والدردشة مع المذيعة في الاستوديو دلال أبو حيدر حول سبب الاستهداف الدائم لفرع المعلومات «الجهاز الفعال» ولقياداته، ورغبة «حزب الله» في عدم إحالة ملف الجريمة على المحكمة الدولية.
قد تفشل المحاولات المتكررة في استنساخ تجربة شباط 2005 التي ملأت الساحات شعارات وجيشت منظومة متكاملة في توجيه الرأي العام آنذاك. اليوم، شعار يتيم يدور هو «الطلاق حتى العدالة»، في إشارة إلى قطع أوصال الوطن والتواصل بين أبنائه. ولعل أعلام «الثورة» السورية التي طغت على مشهد التشييع أمس وغياب للعلم اللبناني خير دليل على محاولة السلخ هذه التي يسهم فيها بعض الإعلام بلا أدنى شك!