لبنان هو بلد تلفزيون الواقع بامتياز، ولعلّ هذا النوع الطليعي اخترع خصيصاً لنا… لا يمكننا تصوّر لبنان من دون تلفزيون الواقع، ولا واقع من دون التلفزيونات اللبنانيّة. الواقع اللبناني أقوى من الخيال، هذا ما يفسّر ضعف الدراما عندنا! كل شيء هنا تفوح منه «الرياليتي» حتّى المسلسلات، ناهيك بالبرامج السياسيّة التي يذكّر معظمها بـ «مزرعة المشاهير» Celebrity Farm. البرامج الاجتماعيّة والفنيّة ترقى، هي، إلى رائعة مثل Cheaters (أبو قرون/ أم قرون، في النسخة العربيّة)… والمهرجانات السياسية تشبه برنامج Stars earn stripes، حيث كل نجم طموحه أن يقتل المكسيموم ليترفّع في الرتبة، على خلفيّة العلم الأميركي طبعاً.


علماً أن نديم (قطيش) اجتهد أوّل من أمس فقلب البرنامج الحربي إلى آخر رومانسي عنوانه «الحبّ هو في الحقل» L'Amour est dans le pré، بعدما اعترف لمارسيل (غانم) بأن زوجته هي التي شجّعته على إطلاق الربيع العربي من على درج جامع الأمين. أما الريبورتاجات الميدانيّة، كما بتنا نعرف منذ A.B. syndrome أو «متلازمة أبو ابراهيم»، فتقودنا لا مفرّ إلى «أعزاز أكاديمي»…
لكن المنافسة قويّة اليوم، للأسف، بين المحطّات اللبنانيّة، ولا بد من اختراع المزيد على الدوام… لاحظوا مثلاً كيف يتبارز جو معلوف وطوني خليفة على التسلل إلى مجارير اللاوعي الجماعي، حتّى خلنا أن كلاً منهما سيعلن احتلالها في لحظة غفلة ـــ ليس السرايا بل المجارير ـــ على طريقة نديم قطيش occupymajareerlebnen.org ووسط أجواء المنافسة الحادة، سينطلق برنامجان جديدان من عيون الـ «رياليتي تي في». الأوّل ـــ عن الجريمة ـــ جاهز على الـ Mtv، والثاني ـــ عن الديموقراطيّة ـــ قيد الاعداد ويبحث عن مشاركين على «الجديد». من غير المهني طبعاً الحكم على تجربة لم تبدأ، نحن هنا فقط للترحيب، ولمحاولة توقّع ما ينتظرنا على الشاشة (الواقعيّة) الصغيرة. قد لا يجوز جمع البرنامجين في قراءة نقديّة واحدة، فلكلّ أسلوبه ومقاربته للواقع. لكن الأكيد أن الجريمة والديموقراطيّة، وجهان لواقع (تلفزيوني) واحد…
«الجديد» سيجمع ممثلين شباباً (هل سيكون هناك صبايا أيضاً؟) عن أحزاب وتيارات وقوى لبنانيّة مختلفة، في مكان مقفل واحد (بيت ضيافة مع أو من دون أبو ابراهيم). ويتركهم يتحاورون ويتجادلون ويتواجهون (نأمل اخلاء أكاديميّة العلوم السياسيّة تلك من السكاكين)، وتتواصل التصفيات ليبقى رابح واحد، من يدري، قد يعيّن لاحقاً (حسب طائفته) في أحد مناصب الدولة العليّة (!). أما تلفزيون المرّ، فيكرّس موضة أطلقها حين نزلت كاميراته لتواكب الدرك في مداهمة «وكر فجور» في النبعة، ليس إلا سينما تعرض أفلاماً خليعة للصبيان (من يذهب إلى الأفلام الخليعة غير الصبيان؟). من الآن فصاعداً، ستساند تلك الكاميرات الطليعيّة القوى الأمنية، خلال مطاردة العصابات المنظّمة واعتقال المجرمين. حين نعرف انجازات الدولة اللبنانيّة في هذا المجال، نفكّر أنّها فعلاً في حاجة إلى دعم Mtv. أما الحق في البراءة حتّى اثبات العكس، وحماية خصوصيّة الأفراد وكرامتهم، وخرافات أخرى من هذا القبيل تنصّ عليها قوانين دوليّة «بالية»، فليست أولويّات أحد في «رياليتي لبنان». منتجو «بالجرم المشهود» يجيبونك: «هدفنا التوعية» (مثل «بورنو (د)جو» و«طوني تراش» يعني؟). ويضيفون: «هذا ما يقدّم في أميركا». ونعم النموذج! أما زلنا بحاجة إلى جرعات إضافيّة من «الحضارة» الأميركيّة؟