«هذا مكاني الطبيعي، ومن المنطقي أن أكون هنا. ولو كنت سأدفع من اللحم الحي، فإنني سأنتج مسرحياتٍ هادفة ذات توجهات مفيدة». بوضوح ومباشرة، تبدأ عايدة صبرا ـــ إحدى القليلات اللواتي ما زلن يدافعن عن مسرحٍ «عائلي»/شعبي في لبنان ـــ حديثها عن مسرحيتها الجديدة «الست نجاح والمفتاح» التي انطلقت عروضها أمس في «المركز الثقافي الروسي». «المال الذي حصّلته من المسلسل الرمضاني الذي شاركتُ به خلال العام الحالي (درب الياسمين) استعملته لإنتاج هذه المسرحية» تصرّ عايدة على نقل الصورة كما هي.


تأتي «الست نجاح والمفتاح» لتعيد الشخصية الأثيرية التي أحبّها الناس واشتهرت بها صبرا عبر المسلسل الرمضاني «حلونجي يا اسماعيل» (كتابة وتأليف أحمد قعبور) الذي قدّم في التسعينيات على شاشة «المستقبل» (من بطولة عباس شاهين). «إنّها حكاية السيدة/ البلد الذي خانه أهله وغدروا به، كلٌ يفكّر بما يريده منه، وما يحتاجه منه، وما سيأخذه منه، حتى وهو في أمسَّ الحاجة إليهم. ربما هي قصة قديمة لكنّها تحدث يومياً، وتختزل آلاف الحكايات بداخلها، فمن يمكن أن يفهم الرواية والقصة الحقيقية إن لم يكن بداخلها أو يشاهدها كما هي؟» هكذا تروي لنا عايدة حكاية المسرحية التي يشاركها في بطولتها كل من عبد الرحيم العوجي، باسل ماضي، إيلي نجيم، ضنا مخايل، سهى نادر، هاني الخطيب. بعض هؤلاء الممثلين كإيلي نجيم كان قد شارك في أعمال سابقة لصبرا، بينما يأتي أغلب العاملين من تلامذتها في معهد الفنون. تصر عايدة على تقديم مسرحٍ يشبه الناس، يروي قصصهم وحكاياتهم: «فمن قصص الناس نكتب، ومنها نعيش، ومن هنا أصلاً نصل إلى قصةٍ تجذبهم وتجعلهم يأتون ليروا ويسمعوا ويشاهدوا كيف نروي هذه القصص ونحولها إلى مسرح» تسرّ صبرا لـ «الأخبار».


حادثة بسيطة ستعرّي
علاقات الجيرة والأخوة
و«التعايش المشترك»


ماذا تريد من تقديم عمل مماثل؟ هل هي حكاية المدينة أم الشخصية فقط؟ استحضرت صبرا شخصية «الست نجاح» لتمنحها بعداً راهناً من خلال استعراض المشكلات التي تراكمت في حياة اللبنانيين. هكذا، تقع الستّ نجاح ضحية حادثةٍ يوميةٍ عادية (تنقطع الكهرباء فتعلق في المصعد بعدما كانت تريد الذهاب ببساطة إلى عملها اليومي). لكن هذه الحادثة العرضية تتحول إلى «حدثٍ» بأكمله، فتبدأ بتعرية علاقات جيرانها ببعضهم بعضاً، وبها شخصياً، وكيف أنّ هذه العلاقات هشةٌ للغاية، وقابلةٌ للكسر كما للانقطاع عند أقل اهتزاز؛ وكيف أن كل ما كان يحكى عن «أواصر» الجيرة، والمحبة و»التعايش المشترك» و»الخبز والملح» وسواها من الجمل الفولكلورية لم تكن أكثر من مجرد كلماتٍ لا قيمة لها. في الإطار عينه، يتضح عدم اهتمام الجميع بما حدث معها، لكنهم في الوقت عينه يحاولون استغلال الأمر لتحقيق ما يريدونه ولو كان «صغيراً» كإجبارها على الإنصات لمشاكلهم اليومية التافهة وهي محتجزة داخل المصعد. «إنهم يستغلون محنتها لتحقيق ما يريدونه، فمن يريد شيئاً، يسارع لا إلى تقديم المساعدة، بل إلى طلبه منها حتى وهي قابعة داخل المصعد غير قادرة على الخروج» تخبرنا عايدة. باختصار هي حكاية بيروت/ سيدة خذلت من أشخاص كان يُفترض أن يكونوا إلى جانبها إثر «طارئٍ» ألمَّ بها لا أن يتركوها أو يستغلوها كما يفعلون حتى اللحظة.
حِرَفياً، تخرج صبرا المسرحية بنفسها، وتساعدها ليال غانم في ذلك. أما السينوغرافيا فهي لحسن صادق، وتصميم الإضاءة لعلاء ميناوي، والصوت الخارجي لعبدو شاهين ودانيالا عبود. يأتي الصوت بتقنياته من تنفيذ باسل قاسم وياسر مروة، فيما ينفذ الشريط الصوتي جواد شعبان (بالاشتراك مع باسل قاسم أيضاً). صوّر ملصق المسرحية علي علوش، ونفذه هاني رمضان؛ فيما تابع الفيديو رامي نيحاوي، وتولت الإضاءة سارة أفادكيان... لا تكتفي عايدة بكل من عمل في المسرحية كي توجه له الشكر، بل تؤكد أنّ الشكر موصولٌ لكثيرٍ من الناس الذين أسهموا كثيراً في العمل، خصوصاً النجمين أحمد قعبور وفايق حميصي، «طلبت إذن قعبور لاستعمال الشخصية، وساعدني كثيراً في قراءته للنص بعدما كتبته للمرة الأولى وكانت ملاحظاته شديدة الأهمية في بناء وتطور هذه المسرحية. أما حميصي، فقد كنت أرغب أن يشارك معي في هذا العمل، لكن ظروف عمله خارج لبنان حالت دون ذلك». أما الأمر الخاص والحميم فهو أنّ «ابني يعقوب محفوض كان الناقد الأوّل لهذا العمل. قرأ النص أكثر من مرة وأعطاني رأيه بوضوحٍ وصراحة، وأسهم كثيراً في إخراجه على ما هو عليه». هل تندم عايدة على إنتاج مسرح من جيبها الخاص؟ «لا أبداً، لا يمكن أن أندم على ذلك، فكيف أندم؟ المسرح هو حياتي ويومي، لكن بالتأكيد يضايقني غياب المنتجين الذين يتولون مسرحيات من هذا النوع. أكثر من ذلك، أجد أنّ التمويل يتجه صوب أعمال معينة وذات جمهور معيّن». تختم عايدة بأنّ الست نجاح هي رمز لبيروت القديمة بقيمها وأيامها الحلوة، لكنّها استحضرت روحها اليوم لتعايش الدوامة التي يعيش فيها اللبنانيون حيث سُلب المواطن مواطنيته وحقوقه. مع ذلك، لم يتحرك أحد، بل إنّ المسرحية تعرّي تلك الفردية والأنانية التي بلغناها!

«الست نجاح والمفتاح»: 20:30 مساء حتى 13كانون الأول (ديسمبر) ـــ «المركز الثقافي الروسي»، فردان ــ للاستعلام: 70/721498