تونس | عندما تغادر قاعة الفن الرابع في شارع باريس التي غيّر الفاضل الجعايبي (1945) مدير المسرح الوطني في تونس وجهها، بعد ساعتين على مشاهدة عرضه الجديد مع رفيقة دربه جليلة بكار، لا يمكن أن تهرب من إحساسك الحاد بالخيبة والخسارة والخوف والغثيان. «العنف» مسرحية مرعبة تحفر عميقاً في الحالة التي انتهى إليها المجتمع التونسي من تغلغل للعنف وتحوٌل فعل القتل الى فرجة حيث يتلهٰى جزء كبير من التونسيين بتشارك صور الجثث والرؤوس المقطوعة على الفايسبوك.


كيف يتحول الانسان الى وحش قاتل؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يطرحه الجعايبي في عمله الجديد الذي يعيده بعد غياب طويل عن المسرح الوطني، وبعد خمس سنوات على آخر أعماله «تسونامي». في الأخير، فضح جريمة اغتصاب الإسلاميبن لأحلام البسطاء والمثقفين الذين خرجوا الى الشارع ضد نظام بن علي مطالبين بالحرية والكرامة، فلم يجنوا أكثر من الاغتيالات وتجارة السلاح وتحوُل البلاد الى عاصمة عالمية لتبييض المال والمافيا! وفي مسرحيته الجديدة التي كتبتها جليلة بكار ككل أعمال الجعايبي منذ انفصاله عن رفيقه في «المسرح الجديد» الفاضل الجزيري، يواصل الجعايبي عملية الحفر في المخيال الجماعي للتونسيين الآن وهنا؟... شعار رفعه منذ بدء مسيرته المسرحية مطلع السبعينات.


فضح جريمة اغتصاب
الإسلاميبن لأحلام البسطاء والمثقفين

من خلال أربع جرائم قتل، يفضح الجعايبي شراسة الانسان وحيوانيته. أربع جرائم تهز الشارع التونسي انطلق منها الجعايبي ليغوص في البنية النفسية والذهنية والاجتماعية لهؤلاء القتلة الذين استباحوا الذات البشرية في لحظة ضعف وغضب تقترب من الجنون.
زهرة تقتل ابنها حمّة، وتضعه في فرن ليصطلي بالنيران وتنتشر رائحة لحمه المشوي في الحي الريفي الفقير. فاطمة تقتل زوجها حسين بآلة حادة عندما كان في صدد قراءة كتاب وتهشّم رأسه وهي تعتقد أنه سائق التاكسي الذي حاول اغتصابها. مروى وفاضل وناجي وصالح يقتلون أستاذة الفلسفة وينكلون بجثتها. أيمن يذبح في لحظة حب مجنونة عشيقه قيس ويتلذذ بمشهد قتله ويصر على جريمته لأنه يحبه!
جرائم وحشية وعبثية تغمر حياة التونسيين، إذ لا تكاد تخلو صحيفة يومية من جريمة قتل بشعة وكثيراً ما يتم تصوير الجريمة وتداولها على الفايسبوك! لماذا وصلنا الى هنا؟! يتساءل الجعايبي من خلال الحفر في طفولة أبطاله الذين تحولوا في لحظة ما الى قتلة. نكتشف الهشاشة الانسانية لدى هؤلاء الذين فقدوا في لحظة إنسانيتهم، فتحولوا الى نصف مجانين. وقد اختار الجعايبي فضاءً يراوح بين مركز الإيقاف والسجن ومستشفى الأمراض النفسية. كما يقدّم شخصيات تتأرجح بين الشخصية الحقيقية والشخصية الباطنية في لاوعيها، فنرى فاطمة بن سعيدان الحقيقية ممثلة على الركح وفاطمة «الأخرى»، ونرى جليلة بكار و«جليلة الأخرى»، ولبنى مليكة و«لبنى الأخرى»... شخصيات تشبهنا، فكل منّا يمكن أن يكون قاتلاً بمعنى ما، فالجعايبي لا يدين القتلة كما لا يبرّئهم. مهمة المسرح هي زرع السؤال في برد اليقين وطمأنينته لنكتشف ذواتنا ونسائلها.
الفرد يعاني من القمع الاجتماعي والقهر، الى جانب الظروف الاجتماعية من فقر وحرمان وتهميش وتنشئة غير سويٍة... كل هذا يدفع الشباب الى الهجرة في مراكب الموت الى الضفة الأخرى أو الى الالتحاق بجبهات القتال في سوريا والعراق وليبيا، فالتونسيون اليوم يتصدرون أرقام «الجهاديين» في المناطق الساخنة في العالم.
في خضّم كل هذا، يمرّر الجعايبي رسالة مهمة من خلال مشهد الحوار بين فاطمة بن سعيدان عندما تأتي لزيارة جليلة بكٰار في سجنها. تقول جليلة «شباك المسرح البلدي مسكّر ما بين ضحيّة وجلاّد، الأيّام قطرة قطرة تنّز، حيوط كحلة (جدران سوداء)»! لهذا تحوّلت تونس الى هذه الحالة من الخراب منذ أن تخلٰت عن مشروعها الثقافي التنويري الذي يرمز إليه المسرح البلدي ليولد شبّان يقتلون أستاذة الفلسفة بكل ما يعنيه ذلك من قتل للسؤال وللجدل والنقد، فتحوّل بلاد القديس أوغسطين وابن خلدون والشابي والطاهر الحدّاد الى أوَّل بلاد تصدّٰر القتلة!
لقد نجح الجعايبي في وضع يده على موطن الجرح، فحالة من الضياع والخوف والترقٰب تخيّم على الشٰارع التونسي الذي بشّٰر العالم بالربيع العربي وبالحرية والديمقراطية. كراس حديدية سوداء، وموسيقى أشبه بنواقيس الانذار، جدران سوداء موحشة، ركح أسود وضوء خافت يحيل على الظلام. شخصيات لا نكاد نتبين ملامحها، غائمة وغارقة في الإدمان والانفصام. مشهد قتل على الركح بكل ما يمكن أن نتخيله من عنف. هكذا، اختارالجعايبي سينوغرافيا الفضاء إلى حد يشعر المشاهد بأنه يعيش في كابوس. وعندما يستقبله شارع باريس وبدايات الليل التونسي بكل حرارة الصيف الطويل بعد ساعتين من الفرجة، لا بد من أن يتساءل: لماذا وصلنا الى هنا؟ كيف يتحوٰل الانسان الى وحش قاتل؟!

«العنف»: 13 و14 و15 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «المسرح الوطني»، تونس ــ للاستعلام:+ 21671565693