نعم! أنا ذاهبٌ إلى المنفى.

برِضايَ، وحاجتي، وحِكمةِ خوفي: ذاهبٌ إلى المنفى..
المنفى الذي، بقدْرِ ما أُبغِضُهَ وأخشاه، أحتاجُ إلى رحمتِهْ. / ذاهبٌ إلى العَتْم.

■ ■ ■


أشياء كثيرة سيوجِعُني فِقدانُها (لا! ليس الإخوةُ، ولا الأصحابُ، ولا الأناشيدُ الـمُبَشِّرةُ بالعدالةِ وبَهاءِ الأبديّةْ) بل أشياءُ صغيرة، أشياء صادقة، كريمة، حقيقيّة، فقيرةٌ وساذجة.. ولا يُعتَدُّ بأحلامها (أصلاً: لا أحلامَ لديها) عن حتميّةِ العدالةِ، ونَجاةِ الجمالِ والحبّ.

أشياء ثمينة كالموسيقى؛ وزهيدةُ الشأن كحَبّةِ الأوكسيجين في الدم.
أشياء مُحَيِّرة: يُشتاقُ إليها حين تُفتَقَد؛ وحين تكون حاضرةً لا يَنتبهُ إلى وجودها أحدْ.
أشياء كثيرة سيوجعني فِقدانها.
مثلاً: نباتاتُ الزينةِ الحكيمة
التي تكون قد نفَقَت من اليأسِ ونقصِ الحنان وعطشِ الكائنِ الضعيفِ إلى الصداقةِ والرأفةْ .
مثلاً: المصابيح..
المصابيحُ الخائفةُ من عتمتِها.
المصابيحُ التي اقتنعَتْ أخيراً بأنّ العالَم (إذْ هو ليس في حاجةٍ إلى الجمال، ليس في حاجةٍ إلى النور).
مثلاً: الكرسيّ..
الكرسيّ المُيَتَّمةُ الصابرة التي لن تجد، في غيابِ جسدي العاقّ، مَن يجعلها تقول: عظامي تهرمُ وتتوجّع.
وأيضاً: الهواء. هواءُ البيت. الهواءُ الذي يكون قد تَعَفّنَ ومات. مات مختنقاً بالوحشة وآلام الضجر. ماتَ مختنقاً بأمراضِ أبديّتِهْ. ماتَ مختنقاً.. بنفْسِهْ.
وساعةُ الحائط الشُّجاعة، التي ستَفتقِدُ - هي الأخرى- من يُشَجّعها ويُنَقِّطُ في أحشائها ذرّاتِ الوقت.
ساعةُ الحائط العجوز التي أشرفَتْ، بكلّ دأبٍ واصطبار، على صناعةِ أعمارِنا وأعيادِنا ..وربما توابيتِنا في الغد.
ساعةُ الحائطِ الوَدودُ، التي تكون قد أضربتْ عن الغناء ورِوايةِ الثواني،
بسببِ يأسِها من سفاهةِ الزمنْ
وإدراكِها العميق أنّ الجماداتِ أيضاً
تشتاقُ، إذْ تَلْسعُها شوكةُ الحنين،
إلى مَن يُصغي، ويَشكرُ، ويُسانِدُ.. ويُطَيِّبُ الخاطر.
أشياء كثيرةْ سيُوجِعني فِقدانُها.
أشياء كثيرةْ ستَحزنُ وتموت.

■ ■ ■


يوماً ما سأعود (ربما غداً، أو بعدَ جِيلْ..)
يوماً ما سأَحزِمُ أمراضي وخوفي وثيابَ جثّتي.. وأعود.
لكنْ ، إلى أنْ يحينَ ذلك الوقت،
ربما يكونُ العالمُ كلُّهُ
قد انتهى مِن إهلاكِ نفْسِه.

■ ■ ■


سأعودُ، مِن غيرِ ثيابِ حِداد ولا أزهارِ مُعَزّينْ،
لزيارة مَقبرةْ.
26/10/2012
* شاعر سوري