صحيح أنّ التفجير الإرهابي الذي ضرب منطقة «برج البراجنة» (عين السكّة) في ضاحية بيروت الجنوبية أول من أمس هو الأعنف والأكثر دموية منذ بدء سلسلة التفجيرات، الا أنه اختلف في التعاطي السياسي والإعلامي مع سابقاته.


منذ شباط (فبراير) الماضي، تاريخ استهداف «المستشارية الثقافية الإيرانية» في منطقة بئر حسن، والأبواق المناوئة لـ «حزب الله» تقدّم خدمات مجانية للمنفذين الإرهابيين ومن يقف وراءهم عبر تبرير هذه التفجيرات بأنّها ردة فعل طبيعية على تدخّل الحزب في سوريا. لكنّ التفجير المزدوج في «عين السكّة» وهول ما حدث استطاع أن يوقف أو يخفّف من الاستغلال السياسي، خصوصاً في البيت الداخلي اللبناني، طبعاً مع وجود استثناءات متفرقة خرجت لتبرر الجريمة كما حصل أمس في برنامج «نهاركم سعيد» على lbci. البرنامج الصباحي استضاف السياسي توفيق الهندي الذي لم يتوان عن تبرير الجريمة. وبعد وقت متأخّر، استفاق وانتبه إلى «واجب» تعزية أهالي الشهداء والجرحى. في الظاهر، الكلّ تضامن: الأحزاب والتيارات وحتى الشخصيات التي باتت رمزاً للتحريض المذهبي والفتنوي كالنائب خالد الضاهر. هذا التضامن أو ربما «التكاذب» انسحب بدوره على الشاشات مع تعاط منضبط مارسته شاشة «المستقبل». وإن غاب لوغو المحطة عن ميكروفون مراسلها ربيع شنطف، إلا أنّ الشاشة الزرقاء كانت حاضرة من أمام مستشفى «الرسول الأعظم» لتنقل آخر المستجدات المتعلقة بالتفجير والضحايا. لعله كانت هناك كلمة سرّ جامعة عمّمت على أوساط التيار الأزرق وقضت بوضع الخلافات والتجاذبات جانباً في هذه المحنة الجديدة. نواب «المستقبل» ومحللوه السياسيون الذين يحضرون عادة بقوة في المنابر التلفزيونية وتستجديهم بعض المحطات بغية بث المزيد من الشحن وإثارة الفتن الأهلية، «خذلوا» هذه المرة تلك المنابر والتزموا بكلمة السرّ والتضامن مع أهالي الضحايا. وهذا طبعاً لا يناسب طبيعة التعاطي الإعلامي الذي يتعطّش بعضه للسكوب وللإثارة ولو على حساب السلم الأهلي. بدا هذا الموضوع جلياً مع مذيع «المؤسسة اللبنانية للإرسال» ماريو عبّود الذي كان يغرّد في الاستديو على ليلاه، متناسياً أنه أمام رأي عام ومسؤولية كبيرة تحتّم عليه التعاطي بمهنية مع الحدث الجلل.


سأل ماريو عبود النائب محمد قباني: «متى ستنهون مشكلتكم مع الشيعة؟»!
بداية، علّق عبود على مشاهد التفجير بإعادة سرد ما كانت تهدّد به الجماعات التكفيرية لبيئة «حزب الله» وكيف نفذت ذلك بتدفيعه الثمن، قائلاً: «يبدو أنّ حزب الله كان يعي الثمن الذي سيدفعه». بعد هذا التعليق المشين، انتقل الى الاتصالات المباشرة مع نواب «المستقبل» علّه يقع على تصريح فتنوي من هنا، أو من هناك. توجه الى النائب محمد قباني، فقال له: «متى ستنهون مشكلتكم مع الشيعة؟». وقبل ذلك، عبّر عبود من دون خجل عن حاجة شاشته الى نوع من «الإثارة» عندما تحدث مع النائب فريد مكاري، مستغرباً أن التعاطي مع تفجير برج البراجنة يبدو مختلفاً وأكثر هدوءاً من المرات السابقة.
المستغرب أنّ «إثارة» من نوع آخر وجدناها على «المنار» هذه المرة. في رسالة مباشرة من مستشفى «الرسول الأعظم» أمس، دخل مراسل «المنار» علي رسلان إلى غرفة الطفل حيدر مصطفى الذي استشهد والداه في التفجيرين الإرهابيين. وفيما كان الأقرباء يقفون حول سرير الطفل الجريح، توجّه رسلان إليه وسأله: «حيدر كيفك؟». ببراءة تمتزج بالألم، ردّ حيدر: «منيح». «شو صار معك؟ مين عمل فيك هيك»، سأل علي رسلان، ليجيب حيدر: «الإنفجار». لم يكتف مراسل «المنار» بهذا القدر، بل طرح على الطفل سؤالين إضافيين: «شو كمان عمل الإنفجار؟ وينن ماما وبابا؟»، ليأتي الجواب: «قوي... بالسيارة بعدن». ترك المراسل الغرفة بعدما استسلمت إحدى القريبات للبكاء لدى الطلب منها التعليق على ما حدث. وفي هذه الأثناء، توجّه رسلان إلى كوثر الموسوي الموجودة في الاستديو قائلاً: «ربّما لا يدري أنّ والديه استشهدا».
أمام هذا التفجير الدموي الذي هزّ حتى الرأي العام العالمي، ما زال بعض الإعلام المحلي مصراً على مراهقته واستخفافه. صحيح أنّه كان متوقعاً أن تتبنى الشاشات الخليجية وصف «الضاحية معقل حزب الله»... هذه العبارة التي تحمّل في طياتها تبريراً واضحاً، واستباحة لدماء الأبرياء والمدنيين العزّل. إلا أنّ هذا التبرير انتقل إلى قناة mtv التي استعملت هذه العبارة مراراً. المذيع روبير نخل الذي حضر في التغطية المباشرة استخدمها أيضاً. وفي مقدمة نشرة أخبارها المسائية أول من أمس، ذكرت قناة «المرّ» أن الضاحية الجنوبية تأتي «كهدف مفضّل انتقاماً لتدخل حزب الله في الحرب السورية». هذا الأمر قد يبدو هامشياً وتفصيلياً مقارنة بالتغطية الفاقعة التي تولاها مراسل المحطة حسين خريس. المراسل الذي استعرض بداية أنه يعرف المنطقة جيداً، استخدم كل الإشارات التي تذهب باتجاه واحد ألا وهو التبرير. تحدث عن قرب المكان من «مستشفى الرسول الأعظم» الذي «يحوي جرحى حزب الله الذين يقاتلون في سوريا». وبعدها برهن لنا أنه يعرف المنطقة جيداً بالقول إنّ برج البراجنة تضمّ أيضاً مركزاً لـ «حركة أمل». طبعاً كل هذا الكلام يتظهّر على أنه «بنك أهداف» واضح للجماعات التكفيرية التي أرادت من خلال الانتحاريين أن تستهدفه! وتبين أن ذلك غير صحيح، فالمستهدفون هم مارة هذا الشارع الضيق المكتظّ، والأبرياء، والمنتمون الى مذاهب مختلفة كما ذكر خريس لاحقاً عندما استفاق ليذكر أن هذه المنطقة متنوعة وتضمّ الحسينيات وأيضاً الجوامع التابعة «لأهل السنةّ».
وبين هذا وذاك، ساد التخبط وإثارة البلبلة ونشر شائعات حول مقتل أفراد معروفين من الحزب في بعض القنوات المحلية والسوشال ميديا، أو الدخول الفتنوي على خطّ المخيمات الفلسطينية وأبلسة ساكنيها بأنّهم ضالعون في هذين التفجيرين، ومحاولة خلق الفتنة الأهلية المذهبية من خلال الترويج بأن أهل «طريق الجديدة» يحتفلون ويطلقون الأسهم النارية احتفاء بالجريمة. ورغم بشاعة نهم الكاميرات لالتقاط صور الأشلاء والدماء على الأرض، لا سيما من قبل قناة «الميادين» التي كانت أول الحاضرين الى ساحة الجريمة، بقيت الحصة الأكبر للمحللين السياسيين الذين أتوا على عجل على هذه الشاشات، مستعرضين تحليلاتهم لتعبئة الهواء، فما كان منهم الا أن زادوا الطين بلّة في تقديم المزيد من المقاربات التي تصب حتماً في الشقاق الأهلي ومع الفلسطينيين أيضاً.
فضائياً، لم يختلف التعاطي بشكل جذري مع التفجيرات الإرهابية السابقة في لبنان. عممّ مصطلح «الضاحية معقل حزب الله» على أغلب تغطيات القنوات الخليجية من «العربية» الى «الجزيرة». وهذه المرة كان الإعلام الخليجي المكتوب أكثر فقاعة وصراحة في نشر الشماتة. عنونت «الحياة» في عددها أمس: «انتحاريان يقتلان العشرات في معقل حزب الله». أما صحيفة «القدس العربي»، فقد أوردت: «لبنان: 41 قتيلاً و180 جريحاً في تفجيرين في معقل «حزب الله»، وصحيفة «الوطن» الكويتية عنونت: «داعش يدمي معقل حزب الله»، فيما اختارت «الشرق الأوسط» السعودية عنوان «تفجير داعشي مزدوج في معقل حزب الله».